يوفال هورويتز.. صانع الأكاذيب مديرا لحملة نتنياهو الانتخابية.. أدمن تلوين الروايات الزائفة بأصباغ الحقيقة.. وحوَّل التضليل الإعلامي إلى سحر للتلاعب بالعقول
على مدى 78 عاما، لم يكن الكذب مجرد أداة عابرة في السردية الإسرائيلية، بل بدا ككائن يتكئ على ثلاثة أرجل ثابتة؛ الأولى لسان بارع يعرف كيف يلبس الوهم ثياب الحقيقة، والثانية حمقى يرددون الكذبة بلا وعي؛ أما الثالثة فتجسدت في صمت أولئك الذين يعرفون الحقيقة كاملة، لكنهم جبناء يرون في الارتكان إلى حائط الصمت نجاة، أو مستفيدين اختاروا الكذب وسيلة لتحقيق مصالحهم الشخصية.
وفي البنية العميقة للسردية الإسرائيلية، لم يكتف الإسرائيليون بتعلم الكذب، بل أتقنوا فنونه، وأحبوا ممارسته باعتباره جزءا أصيلا من صناعة الرواية وتوجيه الوعي.
ومن بين الأسماء التي جسدت ذلك النهج، يبرز المنتج السينمائي الإسرائيلي والرئيس السابق لقسم الحملات والدعاية في جيش الاحتلال الإسرائيلي يوفال هورويتز، والذي اختاره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإدارة حملته الانتخابية المقبلة، في تأكيد جديد على الدور المحوري الذي تلعبه صناعة السرديات الإسرائيلية الكاذبة في توجيه الرأي العام الإسرائيلي.
تبييض وجه نتنياهو وجيش الاحتلال
خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، وبتوجيه من نتنياهو، المطلوب مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، أنتج هورويتز فيلم "الرعب"، والذي تضمن كثيرا من الروايات الإسرائيلية الكاذبة، بهدف تبييض وجه جيش الاحتلال.

وتحول شريط الفيلم، إلى أداة دعائية حملها نتنياهو معه -أينما حل أو ارتحل- لعرضها على قادة العالم، للظهور في صورة المخادع البريء، وكأننا أمام مشهد من رواية خيالي تتيح للقتلة الاندماج مع الضحايا عبر ادعاء الخوف والضعف والتعاطف.
وبحسب موقع "والا" الإسرائيلي، قبل هورويتز عرض نتنياهو، وبدأ بالفعل البحث عن سرديات جديدة، تظهر نتنياهو، المتهم بأربع قضايا فساد كبرى، والفاشل عسكريا في حربه ضد لبنان وإيران، بارتداء معطف "السياسي الشريف"، ورداء "المنتصر الصامد في وجه رياح الخذلان".
حول هورويتز التضليل إلى صنعة متقنة
الكذب بالنسبة لـ"هورويتز" صنعة، وحرفة أهلته للحصول على وسام الخدمة المتميزة من رئاسة الأركان في جيش الاحتلال الإسرائيلي؛ وشغل منصب رئيس الفريق الإعلامي أثناء إلقاء نتنياهو كلمته في الأمم المتحدة، وكان مسؤولًا عن مشروع رمز الاستجابة السريعة، والذي استهدف تحويل المدنيين في غزة وضحايا الإبادة الإبادة الإسرائيلية إلى جناة، رافعا شعار "لا تكرهوا بعضكم بعضا، فالوحوش تكرهكم بما فيه الكفاية".

أتقن هورويتز صناعة الكذب، وتعلم فنونها داخل وحدة المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي، والتي تعتمد على "شن حملات حرب نفسية، وتسريبات انتقائية، وتمنح الوصول الحصري لوسائل إعلام محددة، في مقابل تهميش الأصوات النقدية"، بحسب مجلة "972+" الإسرائيلية ذات التوجه اليساري.
داخل مؤسسة الحرب الإسرائيلية، انتقى هورويتز روايات بعينها، وتلاعب بها لتوجيه منصات رقمية تبدو مستقلة، لكنها تدار فعليا من داخل المؤسسة العسكرية.
استغلال والمنصات وعشرات المؤثرين للتلاعب بالعقول
بلغت روايات هورويتز الكاذبة ذروتها في فيلم "الرعب"، فيما أطلقت عليه الصحف الإسرائيلية اسم "فيديو الفظائع"، وهو تجميع مدته 47 دقيقة من المقاطع المصورة أُنتجه خلال توليه رئاسة قسم الحملات بوحدة المتحدث باسم جيش الاحتلال.
وقتها، كان هورويتز يشغل رتبة "رائد" احتياط؛ ويقول جندي إسرائيلي خدم في الوحدة وشارك في العمل على الفيلم رافضا ذكر اسمه بحسب مجلة "972+": كان الأمر أقرب إلى حملة إعلانية على وسائل التواصل الاجتماعي: ما الذي ينجح؟ وما الذي لا ينجح؟ وما الذي يجذب الانتباه؟"

وتنقل مجلة "972+" عن مراسل عسكري إسرائيلي اشترط عدم ذكر اسمه قوله: إنهم كاذبون يجيدون التلاعب بالبيانات، ويعرفون جيدا كيف يضللون جمهورهم.
جند هورويتز العديد من القنوات والمنصات وعشرات المؤثرين الإسرائيليين والجاليات اليهودية في الخارج لتعزيز خطاب جيش الاحتلال، عبر تطبيقات "واتساب"، و"يوتيوب"، وإنستجرام، بهدف الوصول إلى ملايين المشاهدين والتلاعب بالعقول.
تلوين الأكاذيب بأصباغ الحقيقة
عبر المقاطع المصورة المصطنعة، اعتاد هورويتز تلوين الأكاذيب بأصباغ الحقيقة، وتقديم الوهم في هيئة يقين، حتى أصبح التضليل على يديه فنا متقنا لا مجرد ممارسة عابرة؛ حيث روج بكثير من السرديات الكاذبة مثل أنه "لا يمكن اعتبار اليهود مستعمرين في فلسطين بسبب ارتباطهم التاريخي بمملكة يهوذا التوراتية"، في مقابل تصوير العرب بـ"وصفهم المستعمرين الحقيقيين للأرض"؛ والزعم بأن الأفعال الإسرائيلية في قطاع غزة لا ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية، وتبييض وجه نتنياهو وقادة حكومته من الاتهامات التي وجهتها المحكمة الجنائية لهم بـ"ارتكاب جرائم حرب في غزة".
ويقول أحد الجنود المشاركين في إنتاج هذه المقاطع: يعد قسم الحملات أكثر المساحات إشكالية من الناحية الأخلاقية داخل وحدة المتحدث باسم الجيش. في البداية، بدا الأمر ملحا لإظهار ما مررنا به للعالم، ولكن سرعان ما تغير الحال. فقد كان قطاع غزة يسوى بالأرض، وبدأت الرواية التي ربما صمدت في الأسابيع الأولى تنهار. ومنذ لحظة تسريحي وأنا أشعر بالاحتقار لأنني كنت جزءا من ذلك.




