رئيس التحرير
عصام كامل

زي النهاردة، قصة دستور نابليون بونابرت الذي وُلد من رحم نيران الثورة الفرنسية ومبادئها

نابليون بونابرت،
نابليون بونابرت، فيتو
18 حجم الخط

في مثل هذا اليوم من عام 1815، خطفت باريس أنظار العواصم الأوروبية الكبرى، وأحدثت هزة عنيفة في أروقة السياسة الدولية، حين أعلن الإمبراطور الفرنسي  نابليون بونابرت وثيقة دستورية جديدة عُرفت في التاريخ باسم “دستور الحرية”، وذلك عقب عودته الأسطورية من منفاه في جزيرة إلبا وبدء حقبة المائة يوم؛ إذ أراد بونابرت من خلال هذه الوثيقة الليبرالية تقديم تنازلات تاريخية للشعب، ودمج مبادئ الثورة مع إرث الإمبراطورية، ليضع خصومه في الداخل والخارج أمام معضلة حقيقية ويسابق الزمن لتحصين جبهته الداخلية. 

نيران 1789، الثورة الفرنسية ومكتسباتها الملغومة بالدماء

تأسست الجذور الأولى لهذا التحول من رحم الغليان الشعبي العنيف الذي فجر الثورة الفرنسية عام 1789؛ حيث كانت فرنسا قبل هذا التاريخ تعيش تحت وطأة حكم ملكي مطلق ومستبد يقوده لويس السادس عشر، في ظل أزمة اقتصادية طاحنة ومجاعة أهلكت الفقراء، بينما تنعم طبقتا النبلاء ورجال الدين بالامتيازات والإعفاءات الضريبية الكاملة. 

واندلعت الثورة لتنادي بشعارات الحرية والإخاء والمساواة، ونجحت في تحقيق مكتسبات تاريخية غيرت وجه الإنسانية، أبرزها إسقاط النظام الإقطاعي، وإعلان حقوق الإنسان والمواطن، وإلغاء الملكية. لكن هذه المكتسبات اصطدمت بمشاكل وأزمات كبرى؛ تمثلت في انزلاق الثورة نحو الصراعات الداخلية الدامية بين الفصائل الثورية، مما أدخل البلاد في فوضى سياسية وأمنية عارمة جعلت المجتمع الفرنسي يتوق لقائد قوي يعيد الاستقرار.

كواليس صعود وعزل نابليون 

من رحم تلك الفوضى صعد نجم الجنرال نابليون بونابرت، ضابط المدفعية الطموح بالجيش الفرنسي، ولم يكن بونابرت هو من فجر الثورة الفرنسية أو تزعم لواءها في بدايتها، بل كان مراقبًا ذكيًا لمحطاتها؛ وحين انزلقت البلاد في مستنقع الفوضى وعهد الإرهاب وتكالب القوى الأوروبية عليها، برزت عبقريته العسكرية الفذة في حماية مكتسبات الثورة والدفاع عن حدود فرنسا.

وهذا الصعود الصاروخي مكَّنه من كسب ثقة الشارع والجيش على حد سواء، ليتزعم عام 1799 انقلابًا سياسيًا أبيض على الملك لويس الثامن عشر، وتولى السلطة معتبرًا نفسه الابن الشرعي للثورة وصانع مجدها الجديد.

لكن الجنرال سرعان ما دخل في مغامرات عسكرية كارثية، بسبب طموحه التوسعي الجارف، ورغم عبقريته  العسكرية، إلا أن نقطة التحول في مشواره السياسي والعسكري بدأت مع حملته الكارثية لغزو روسيا عام 1812، حيث تحطمت جيوشه أمام ضربات الروس القاسية وسياسة الأرض المحروقة. 

وتوالت بعدها الانكسارات العسكرية، وتلقى بونابرت هزيمة قاسية في معركة لايبزيغ عام 1813، والمعروفة بمعركة الأمم، والتي أدت إلى دخول قوات التحالف لباريس وإجباره على التنازل عن العرش ونفيه إلى جزيرة إلبا عام 1814. 

ثمن عودة نابليون 

بعبقرية فريدة استطاع نابليون العودة في فبراير 1815، حيث استغل الجنرال حالة السخط الشعبي ضد الملك العائد لويس الثامن عشر، وتسلل ليلًا في سفينة صغيرة برفقة ألف من حراسه المخلصين ليعود إلى الشواطئ الفرنسية. 

وبدأ نابليون واحدة من أغرب الملاحم في التاريخ؛ إذ أرسل الملك جيشًا لاعتقاله، لكن بمجرد مواجهتهم، فتح نابليون معطفه أمام الجنود وتحدى أن يطلق أحد النار على قائده، فانحاز الجيش له بالكامل وهتف باسمه، وتحول زحف نابليون نحو باريس إلى مسيرة بيضاء خالية من الدماء، وهرب الملك لويس ذعرًا، ليدخل بونابرت القصر الحاكم محمولًا على أعناق الجماهير، وينتزع السلطة مجددًا باعتراف شعبي وعسكري ساحق.

هندسة الدستور الجديد، كيف تبلور مفهوم الحرية في باريس ؟

بمجرد استتباب الأمر له في باريس، أدرك نابليون أن الاحتفاظ بالسلطة يتطلب منه التخلي عن نهجه الديكتاتوري القديم ومصالحة القوى الليبرالية والجمهورية؛ لذا استدعى الكاتب والمفكر السياسي الشهير بنجامين كونستانت، وأوكل إليه مهمة صياغة ملحق للدساتير الإمبراطورية السابقة، وهو الملحق الذي صاغ عمليًا مفهوم الحرية في قالب دستوري جديد. 

وتبلور هذا المفهوم في بنود الثورة العظمى؛ حيث أقر الدستور الجديد فصلًا حقيقيًا بين السلطات، وتأسيس برلمان من غرفتين منتخبتين، وإلغاء الرقابة على الصحافة والمطبوعات، وضمان محاكمات عادلة أمام هيئات محلفين، وحظر التمييز الطبقي؛ ليتحول الدستور إلى وثيقة تعاقدية جديدة تثبت للفرنسيين أن الإمبراطور العائد يحمل غصن الزيتون في الداخل وسيف الدفاع على الحدود.

ما بعد إقرار الدستور، كواليس الأيام المائة وصدمة الميدان العسكري

ترتب على إقرار هذا الدستور نتائج دراماتيكية صاغت شكل الحياة في فرنسا خلال أسابيع معدودة، حيث شهدت البلاد انفراجة سياسية مؤقتة وعودة للمجالس النيابية وحرية التعبير؛ وتكشف الكواليس أن نابليون حاول عبر هذه التغييرات الليبرالية إثبات تحوله إلى رجل سلام أمام القوى الدولية. 

لكن هذه التجربة الدستورية ولدت وفي أحشائها بذور نهايتها؛ إذ رفضت القوى الأوروبية الاعتراف بشرعية الدستور أو الإمبراطور، واعتبرته خارجًا على القانون الدولي، واستمرت الحشود العسكرية في التقدم نحو الحدود الفرنسية، لتنتهي فصول هذه الحقبة سريعًا بصدمة الهزيمة العسكرية في معركة واترلو ونفي نابليون النهائي إلى جزيرة سانت هيلانة، وتتحول وثيقة الحرية إلى السطر الأخير في كتاب المجد النابليوني.

الجريدة الرسمية