رئيس التحرير
عصام كامل

بعد الهجوم على "برشامة"، هل أصبحت معارك الفن الواجهة الأبرز لحزب النور؟

فيلم برشامة، فيتو
فيلم برشامة، فيتو
18 حجم الخط

فجر الهجوم  الشرس لـ حزب النورعلى فيلم “برشامة”، الذي يعرض حاليا بعدد من دور السينما الحالية، عددا من التساؤلات حول طبيعة الدور الذي يلعبه الحزب داخل الحياة السياسية المصرية، ولماذا يبدو حضوره في كثير من الأحيان أكثر ارتباطًا بقضايا الفن والهوية والقيم الاجتماعية، مقارنة بحضوره في الملفات السياسية الكبرى أو الصراعات الحزبية التقليدية؟

أزمة حزب النور مع فيلم "برشامة" 

النائب أحمد خليل خير الله تقدم ببيان عاجل إلى مجلس النواب بشأن ما اعتبره تجاوزات تمس المقدسات والثوابت الشرعية داخل الفيلم، مطالبًا الحكومة ووزارة الثقافة والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بالتدخل، في خطوة أعادت الحزب السلفي إلى دائرة الجدل العام بعد فترة من الظهور السياسي المحدود نسبيًا.

وحسب خبراء، الأزمة لا ترتبط بالفيلم، بقدر ما تعيد إحياء سؤال أوسع: أين يقف حزب النور اليوم داخل المشهد السياسي؟ وما طبيعة الملفات التي يختار الاشتباك معها؟

حدود دور حزب النور في الحياة السياسية 

منذ تأسيسه عقب ثورة يناير، دخل الحزب الحياة السياسية باعتباره الذراع الحزبية للدعوة السلفية، وحقق حضورًا انتخابيًا لافتًا في بداياته، مستفيدًا من الكتلة التنظيمية الواسعة للتيار السلفي وقدرته على الحشد في الشارع. وخلال انتخابات 2011-2012 أصبح أحد أكبر القوى البرلمانية في البلاد، ما وضعه في قلب المشهد السياسي آنذاك.

لكن التحولات السياسية التي شهدتها مصر بعد 2013 أعادت رسم المجال العام بالكامل، لتتراجع تدريجيًا مساحة الأحزاب ذات المرجعيات الإسلامية، سواء على مستوى الحضور الجماهيري أو التأثير السياسي المباشر. واختار حزب النور مسارًا مختلفًا عن جماعة الإخوان، إذ دعم خارطة الطريق بعد 30 يونيو، واستمر قانونيًا داخل النظام الحزبي القائم، محافظًا على وجوده البرلماني وإن كان بحجم أقل كثيرًا من سنوات الصعود الأولى.

ومع مرور الوقت، تغيرت طبيعة حضور الحزب داخل المجال العام. فبدلًا من المنافسة السياسية الواسعة أو الاشتباك المستمر مع ملفات السلطة والمعارضة، أصبح ظهوره الإعلامي يرتبط بصورة أكبر بالقضايا ذات الطابع الثقافي أو الأخلاقي أو الديني، مثل الأعمال الفنية، وقضايا الأسرة، وبعض الملفات المرتبطة بالهوية والقيم الاجتماعية.

ويرى مراقبون أن هذا التحول يرتبط بطبيعة القاعدة الاجتماعية التي يستند إليها الحزب، والتي تمنحه مساحة أكبر للتحرك في الملفات المرتبطة بالخطاب المحافظ أكثر من الملفات السياسية. كما أن القضايا الثقافية تظل بالنسبة للحزب مساحة مناسبة للحفاظ على هويته الأيديولوجية وإظهار خصوصيته داخل المشهد الحزبي دون الدخول في مواجهات سياسية مباشرة.

والهجوم على فيلم برشامة جاء ضمن هذا السياق؛ إذ استند الحزب في بيانه إلى ما وصفه بحماية الهوية الإسلامية والثوابت الشرعية، معتبرًا أن بعض الأعمال الفنية تتجاوز حدود الترفيه إلى المساس بالقيم الدينية.

رأي نقاد الفن في موقف حزب النور 

في المقابل، أثار البيان ردود فعل واسعة داخل الأوساط الفنية والثقافية، حيث اعتبر عدد من النقاد أن تقييم الأعمال الفنية يجب أن يبقى داخل الإطار الفني والقانوني، وليس الديني، وعلى رأس هؤلاء الناقد طارق الشناوي الذي رفض تدخل ما أسماها “الخلفيات الدينية في تقييم الأعمال الفنية”، معتبرًا أن الفن بطبيعته يخضع للنقد والتقييم الفني وليس للمحاكمات العقائدية.

وتكشف ردود الفعل المتباينة على مواقع التواصل الاجتماعي أن حضور حزب النور في مثل هذه القضايا لا يزال قادرًا على إثارة الجدل، حتى مع تراجع وزنه الانتخابي مقارنة بسنواته الأولى. فالنقاشات التي صاحبت أزمة برشامة لم تقتصر على الفيلم نفسه، بل امتدت إلى التساؤل حول دور الحزب وحدود تدخله في الشأن الثقافي والفني.

ورغم أن «النور» لا يزال يمتلك تمثيلًا برلمانيًا قويا، ويشارك في عدد محدود من الملفات التشريعية والخدمية، فإن صورته العامة لدى قطاع من الرأي العام أصبحت مرتبطة أكثر بالمعارك الثقافية وقضايا الهوية، وهي الصورة التي تتكرر كلما دخل الحزب في سجال جديد حول الفن أو الإعلام أو القيم الاجتماعية.

وبينما يرى مؤيدو الحزب السلفي أن هذا الدور يمثل امتدادًا طبيعيًا لهويته الفكرية والدعوية، يعتبر منتقدوه أن حضوره السياسي بات يظهر بشكل أوضح في ملفات المنع والاعتراض الثقافي أكثر من ظهوره في ملفات الاقتصاد أو التنمية أو التشريع.

الجريدة الرسمية