جمهورية المهتزين نفسيًّا.. أستاذة علم اجتماع: النظرة الدونية للمهتز نفسيًّا قد تحوله إلى مجرم.. باحث في علم النفس: المرض النفسي لا يصنع مجرمًا وإهمال العلاج هو الخطر الحقيقي
توجهت أصابع الاتهام في كثير من الجرائم المرتكبة في المجتمع المصري خلال الفترة الأخيرة نحو المرض النفسي، وتزايد استخدام مصطلح "مهتز نفسيًا" مع كثير من المتهمين، وكأن كل مضطرب نفسي مشروع مجرم ينتظر لحظة الانفجار، وبين الأحكام المسبقة والحقائق العلمية، تتسع الفجوة في فهم طبيعة الاضطرابات النفسية وتأثيرها الحقيقي على السلوك الإنساني، فهل الاضطرابات النفسية وحدها كافية لصناعة العنف؟ أم أن هناك عوامل أكثر تعقيدًا تقف خلف الجرائم والسلوكيات الخطرة؟ أسئلة يجيب عنها متخصصون وباحثون في العلوم النفسية والاجتماعية والقانونية للوقوف على تفسير حقيقي وعلمي لهذا الربط المجتمعي.
سمات المضطربين نفسيا
قال الدكتور علي غانم، أستاذ علم النفس الاجتماعي بالمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية: لا يشترط أن يكون المضطرب نفسيا عنيفا أو مرتكبا للجرائم، كما أن ليس كل من يرتكب عنفا مفرطا يكون بالضرورة مضطربا نفسيا، موضحا أن الربط التلقائي بين المرض النفسي والعنف غير دقيق، ولكن بعض الاضطرابات النفسية غير المعالجة، خاصة إذا اقترنت بالإدمان أو العزلة أو الضلالات، قد تتطور وتزيد من احتمالات السلوك العدواني وارتكاب الجريمة.
وأضاف أن بعض المضطربين النفسيين قد يفقدون السيطرة على تصرفاتهم في حالات محدودة، خاصة مع الذهان الحاد أو الهلاوس والضلالات الاضطهادية، أو نتيجة التوقف المفاجئ عن العلاج، أو تعاطي المخدرات، أو التعرض لضغوط نفسية شديدة.
وأوضح أن المرتكب قد يكون شخصا عاديا تماما وطبيعيا طوال الوقت، ولكن بعض الأشخاص يمتلكون نزعات عنف تظهر في أوقات معينة عندما يمس شيء في شخصيتهم أو نفسيتهم، فيتحول عندها إلى شخص عنيف جدا، موضحا من الممكن أن يطرق ظرف استثنائي يفجر لديه ما يعرف قانونيا وطبيا بـ "الاضطراب النفسي العارض أو المؤقت"، وهو الدافع المباشر والوحيد لارتكاب الجريمة.
وتابع: "هذا التحول الفجائي من الحالة الطبيعية المستقرة إلى حالة الاضطراب المؤقت يمثل التحدي الأكبر؛ فالحدث الصادم أو الضغط العصبي الحاد يضع الشخص في حالة تغيب عقلي مؤقت يفقد معها السيطرة التامة على أفعاله، وعندما تزول الصدمة يعود لطبيعته الأولى، مما يجعل إثبات تلك اللحظة الحرجة أمام لجان الطب الشرعي معضلة في غاية التعقيد".
وأردف غانم قائلا: "إن تحديد المسؤولية القانونية في هذه الحالات يمر عبر قنوات تقييم صارمة تشرف عليها لجان مشتركة من الطب الشرعي والخبراء النفسيين والقانونيين.
وفرق "غانم" بين حالتين من الاضطرابات النفسية: المريض محتفظ الإدراك، وهو الشخص الذي يعاني من اضطراب نفسي لكنه يظل قادرا على التمييز بين الصواب والخطأ، ومدركا لطبيعة تصرفاته وعواقبها، وبالتالي يظل خاضعا للمساءلة العقابية، والمريض فاقد الإدراك والسيطرة، الذي وصلت حالته العقلية أو النفسية إلى مرحلة حجبته تماما عن الواقع، وسلبته القدرة على التحكم في سلوكه أو استيعاب جرمه، وهو من يرفع عنه القانون المسؤولية.
زيارة الطبيب النفسي
وكشف "غانم" أن البعض مازال ينظر للذهاب إلى الطبيب النفسي على أنها "وصمة عار"، لافتا إلى أن هذا المفهوم لا يقتصر على فئة دون غيرها، بل يمتد بشكل ملحوظ إلى الفئات الاجتماعية المتوسطة والمرتفعة.
وأوضح أن هذه العائلات تخشى الاعتراف بوجود مريض أو مضطرب نفسي بين أفرادها، وتتعمد إخفاء الأمر تماما خوفا على سمعتها ومكانتها الاجتماعية، محذرا: “محاولة إخفاء المرض خوفا من الوصم المجتمعي تؤدي مباشرة إلى تفاقم الحالة؛ فالشخص الذي يعاني من اضطراب واحد قد تتضاعف علته لتصبح علتين أو ثلاث، وتزداد حدة المرض وشراسته بمرور الوقت حتى يصعب علاجه”.
وأوضح هذا الكبت والإنكار يتحول تدريجيا إلى قنبلة موقوتة تنفجر في النهاية على شكل سلوك عنيف، قد يترجم إلى جريمة يرتكبها الشخص ضد ذاته، أو ضد أسرته، أو المجتمع من حوله.
وقال" غانم" إن هناك العديد من الدراسات التي تناولت العلاقة بين الاضطرابات النفسية وارتكاب الجرائم أو ممارسة العنف، إلا أن الربط المباشر بينهما يظل إشكالية معقدة وصعبة الحسم في كثير من الحالات.
وبين “غانم” أن الأجهزة الأمنية أو القائمين على تطبيق القانون في مختلف الدول لا يكونون دائما قادرين على الجزم بأن جريمة ما ارتكبت نتيجة اضطراب نفسي أو مرض نفسي، مشيرا إلى أن بعض الاضطرابات النفسية تكون خفية بطبيعتها، وتحتاج لمتخصصين على درجة عالية من المهارة لتشخيصها وربطها بالسلوك الإجرامي، وتشخيص اذا كانت هذه الجريمة وقعت تحت تأثير المرض من عدمه.
وضرب غانم مثالا ببعض الأمراض السلوكية مثل "اضطراب السرقة"، مشيرا إلى ما تم تناوله في الأعمال السينمائية والدرامية مثل فيلم "عصابة الدكتور عمر"، وأضاف أن الواقع يضم حالات كثيرة لمثل هؤلاء الأشخاص الذين يعانون من أزمات نفسية لكنهم لم يذهبوا إلى طبيب مختص، وبالتالي لم يخضعوا لتشخيص رسمي يكشف طبيعة مرضهم.
تراكم المشكلات النفسية
وحذر غانم من أن المشكلات النفسية غير المشخصة تتراكم داخل الإنسان، وتتحول بمرور الوقت إلى نوبات مفاجئة من العنف أو الهياج، وسط غياب تام لوعي المحيطين به؛ حيث يكتفي المقربون بوصف سلوكه بأنه "مجرد نرفزة، أو تعصب مؤقت، ويطالبون بترك شأنه في الوقت الحالي".
ونبه غانم إلى أن هذا التراكم قد يؤدي في النهاية إلى كارثة، ففي إحدى نوبات غضبه وعصبيته، قد يقدم هذا الشخص على ضرب طفله (ابنه أو ابنته) أو زوجته بشكل عنيف يفضي إلى الموت، وفي هذه الحالة، يظهر الحادث للعامة وللجهات الجنائية على أنه جريمة جنائية تقليدية أو حادث جنائي عادي، دون أن يلتفت أحد أو يشير إلى أن المرض النفسي الكامن هو المحرك الأساسي وراء ارتكاب الجريمة.
وفي ختام تصريحاته، أشار علي غانم إلى طبيعة بعض الأمراض والاضطرابات النفسية التي لا تظهر بشكل دائم، بل تأتي على شكل نوبات مؤقتة ثم تختفي، ولا تعود للظهور إلا إذا واجه المريض "مثيرا" معينا يستفز حالته.
واستشهد غانم بواقع المريض قائلا: "قد أكون إنسانا عنيفا للغاية إذا تحدثتي معي في موضوع معين ومحدد يثير مرضي، ولكن إذا تم التحدث معي في موضوع آخر فلن أظهر أي عنف، وسأبدو إنسانا طبيعيا تماما طالما أن المثير الخاص بي غائب"، وأكد علي أنه بناء على هذه المعطيات المعقدة، فأن عملية الربط المطلق بين العنف والاضطرابات النفسية، أو الجريمة والمرض النفسي، هي أمر صعب للغاية.
ليس كل مضطرب نفسيا مختلا عقليا
وعلى الجانب الآخر، قالت أميرة مصطفى عبد الحميد، خبيرة علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية: انتشر في الآونة الأخيرة الحديث عن الاضطرابات النفسية ليس فقط من المنظور الطبي لها، بل أيضًا في ظل النواحي الاجتماعية والثقافية والقانونية، وخاصة بعد أن أصبحت الاضطرابات النفسية جزءًا من النقاشات المرتبطة بالعنف والجريمة والوصم الاجتماعي، ومع تزايد التغطيات الإعلامية للجرائم والعنف وربطه في بعض الأحيان بالحالة النفسية أو الاضطرابات النفسية التي يعاني منها الجاني، ولكن هذا لا يعني أن كل من يعاني من الاضطرابات النفسية فهو مختل عقليًا أو غير مسؤول عن أفعاله، فهو أمر يختلف من مريض لآخر وفق التشخيص الطبي وتفاقم الحالة ومدى خضوع المريض للعلاج والإشراف الطبي على الحالة المرضية، ولكن يوجد احتمال أن بعض الحالات المرضية بالطبع يمكن أن تقوم بأفعال عنف وجرائم بشعة.
وأضافت: إذا تحدثنا عن أسباب الاضطرابات النفسية، ففي مجال علم الاجتماع لا يمكن النظر للاضطراب النفسي بمعزل عن البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها الفرد، فالفقر، والبطالة، والتفكك الأسري، والعنف المجتمعي، والتمييز، والضغوط الاقتصادية، كلها عوامل تساهم في إنتاج بيئات ضاغطة قد تؤدي إلى اضطرابات نفسية أو تفاقمها، حيث يؤدي تفكك القيم والمعايير الاجتماعية إلى شعور الأفراد بالعزلة والاغتراب وفقدان المعنى، وهو ما ينعكس على الاستقرار النفسي والاجتماعي للفرد.
يوجد أيضًا مفهوم الوصم الاجتماعي، والذي يساهم المجتمع في بنائه، بمعنى أن النظرة الدونية من قبل الناس للمريض النفسي قد تحوله إلى مجرم، وذلك نتاج تشويه هويته الاجتماعية واختزال هويته بالكامل في مرضه النفسي والقسوة في معاملته، مما يجعله يشعر بالدونية وعدم الانتماء للمحيطين، بل يزرع داخله الكراهية تجاه محيطه، وخاصة ممن يتعاملون معه من منطلق مرضه النفسي.
وأوضحت الدراسات الحديثة، وفق ما أكدته “أميرة”، أن أغلب المصابين بالاضطرابات النفسية ليسوا مجرمين، بل إنهم في كثير من الأحيان يكونون أكثر عرضة لأن يكونوا ضحايا للعنف لا مرتكبيه، كما تشير بعض الدراسات إلى أن نسبة صغيرة فقط من جرائم العنف ترتبط مباشرة باضطرابات نفسية حادة، بينما ترتبط أغلب الجرائم بعوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية مثل الفقر والإدمان والتهميش وانتشار السلاح والعنف الأسري.
ومع ذلك، فإن بعض الاضطرابات النفسية الشديدة غير المعالجة، خاصة إذا ارتبطت بتعاطي المخدرات أو التاريخ السابق للعنف أو غياب الرعاية النفسية، قد تزيد من احتمالات السلوك العدواني لدى بعض الأفراد، لذلك تؤكد المؤسسات الصحية الدولية على أهمية التدخل المبكر والعلاج النفسي المستمر والدعم الأسري والاجتماعي باعتبارها عوامل أساسية للوقاية من التدهور النفسي والعنف المحتمل.
وتابعت أستاذة علم الاجتماع أن تعامل الحكومات والمجتمعات مع ذوي الاضطرابات النفسية يعد من القضايا الاجتماعية والإنسانية المعقدة التي شهدت اهتمامًا متزايدًا خلال العقود الأخيرة، خاصة مع ارتفاع معدلات الاضطرابات النفسية عالميًا نتيجة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والتحولات الثقافية المتسارعة.
وقد اتجهت الحكومات الحديثة، وضمنها مصر، إلى تطوير سياسات للصحة النفسية، التي تقوم على توفير المستشفيات والمراكز العلاجية وخدمات الدعم النفسي وإصدار القوانين التي تحمي حقوق المرضى النفسيين وتنظم مسؤوليتهم القانونية، مع التوسع في برامج التوعية المجتمعية بهدف تقليل الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالمرض النفسي.
وفي المقابل، لا يزال المجتمع في كثير من الأحيان ينظر إلى المضطرب نفسيًا باعتباره شخصًا خطرًا أو غير قادر على الاندماج، وهو ما يؤدي إلى تعرضه للعزل والتنمر وصعوبة الحصول على فرص العمل والعلاقات الاجتماعية المستقرة. متابعة: يؤكد علم الاجتماع أن الوصمة الاجتماعية قد تكون أحيانًا أكثر قسوة من الاضطراب نفسه، لأنها تدفع المريض إلى الانسحاب الاجتماعي وإخفاء معاناته خوفًا من نظرة الآخرين.
واستكملت قائلة: كما تلعب الأسرة دورًا محوريًا في دعم المريض أو تفاقم حالته، حيث يساعد الدعم الأسري والاحتواء النفسي على تحسين فرص العلاج والاندماج، بينما يؤدي الإهمال أو السخرية أو العنف الأسري إلى زيادة التدهور النفسي والعزلة. كذلك يساهم الإعلام في تشكيل الصورة الذهنية عن المرض النفسي، إذ إن بعض الأعمال الدرامية تربط الاضطرابات النفسية بالعنف والجريمة بصورة مبالغ فيها، رغم أن الدراسات الحديثة تؤكد أن أغلب المرضى النفسيين ليسوا خطرين بطبيعتهم، بل يكونون في كثير من الأحيان أكثر عرضة لأن يكونوا ضحايا للعنف والتمييز، ومن هنا أصبحت قضية الصحة النفسية قضية اجتماعية وتنموية تتطلب تعاون الدولة والأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلامية من أجل بناء بيئة أكثر وعيًا وعدالة واحتواءً لذوي الاضطرابات النفسية.
مؤشرات خطيرة
وأوضحت أن تقديرات المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مصر تشير إلى أن هناك نحو 22 مليون مصري يعانون من اضطرابات وأمراض نفسية بدرجات متفاوتة.
تشير الإحصائية إلى أن نسبة كبيرة من المواطنين، ما يقرب من 24% من المواطنين، تعاني من أشكال مختلفة من الاضطرابات النفسية، ولكن بشكل متفاوت، فليس كل من يعاني من اضطراب نفسي يمثل خطرًا اجتماعيًا، وهو ما يرتبط بمجموعة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
ورغم تزايد اهتمام الدولة بملف الصحة النفسية وتوسيع خدماتها العلاجية والتوعوية، حيث تساهم الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة والبطالة وصعوبة السكن والزواج، إلى جانب الزحام والكثافة السكانية والضوضاء اليومية، في زيادة مستويات القلق والتوتر والاكتئاب، كما أدى التحول في طبيعة العلاقات الاجتماعية وضعف الترابط الأسري والاعتماد المفرط على وسائل التواصل الاجتماعي إلى تنامي مشاعر العزلة والمقارنة الاجتماعية والضغط النفسي، خاصة لدى الشباب، فضلًا عن استمرار الوصمة المجتمعية المرتبطة بالعلاج النفسي التي تدفع كثيرين إلى إخفاء معاناتهم أو تجنب طلب المساعدة، وهو ما يزيد من تفاقم الحالات.
وأضافت "مصطفى": تواجه الدولة والمجتمع عدة تحديات في هذا الملف، من بينها نقص أعداد المتخصصين مقارنة بحجم السكان، وارتفاع تكلفة العلاج النفسي، وضعف الوعي المجتمعي بطبيعة الاضطرابات النفسية، إلى جانب انتشار بعض التصورات الثقافية الخاطئة حول المرض النفسي، ومن ثم تتطلب مواجهة هذه الظاهرة تبني حلول شاملة تقوم على نشر الوعي النفسي، وتطوير خدمات الدعم والعلاج داخل المدارس والجامعات والمؤسسات الصحية، وتعزيز الدعم الأسري والاجتماعي، وتوسيع الوصول إلى خدمات الصحة النفسية منخفضة التكلفة، فضلًا عن التعامل مع الصحة النفسية باعتبارها قضية اجتماعية وتنموية ترتبط بجودة الحياة والاستقرار المجتمعي بقدر ارتباطها بالحالة الفردية.
اختتمت قائلة: أود أن أؤكد أيضًا أننا بحاجة إلى زيادة الوعي بكيفية التعامل مع من يعانون من الأمراض النفسية، وبكسر حاجز الوصمة الاجتماعية لدى الأفراد المرضى الذين لم يرتكبوا أي ذنب، بل هم مرضى يحتاجون للرعاية والعطف، بدلًا من التعرض للتنمر أو الإيذاء النفسي والإبعاد الاجتماعي. هذا من جانب، ومن جانب آخر نحتاج للوعي بأعراض الإصابة وبسرعة اللجوء للمتخصصين في حالة ملاحظة تغير في سلوك أحد الأفراد، بدلًا من تفاقم الأعراض وتدهور حالته.
وعلى الجانب الآخر، أكد الدكتور أحمد كمال، أستاذ القانون الجنائي، أن البواعث، والدوافع، أو الاضطرابات النفسية والضغوط المختلفة التي قد يتحجج بها البعض، لا تتدخل مطلقًا في تحديد العقوبة أو تخفيفها من الناحية القانونية.
وأوضح “كمال” أن المستقر عليه قانونًا هو أن لكل جريمة ظروفها وملابساتها ووقائعها الخاصة، وأن القاضي هو الشخص الوحيد المنوط به تقدير هذه الوقائع عند النطق بالحكم أو توقيع العقوبة المستحقة، مستدركًا بأنه مهما كانت طبيعة الضغوط النفسية التي يمر بها الشخص، فإن المشرع والقاضي لا يعتدان بها كدافع لارتكاب الجريمة، إذ "لا عبرة بالبواعث أو الظروف الشخصية الكامنة وراء ارتكاب الفعل الإجرامي".
وشدد أستاذ القانون على أن الشخص الذي يعاني من اضطرابات نفسية أو تظهر عليه بوادر اضطراب، لا يجب أن يترك بلا متابعة، بل هو شخص "محتاج إلى رقابة مستمرة"، مشيرًا إلى أن الأسرة بمفهومها الواسع والمحيطين به، سواء كانوا الآباء، أو الأمهات، أو الزوجات، هم أول من يلاحظ هذه التغيرات والبوادر.
وطالب “كمال” الأسر بضرورة المبادرة الفورية والسريعة دون إبطاء، والتوجه نحو استخدام الوسائل المختلفة والمتاحة للسيطرة على هذا الشخص، بهدف الحيلولة دون وقوع مكروه، وهو ما يندرج تحت ما يسمى قانونيًا واجتماعيًا بـ"الجانب الوقائي أو الإجراء الاحتياطي"، وذلك لحماية الشخص نفسه من إيذاء ذاته أولًا، ومنع ضرره عن أسرته والمجتمع ثانيًا.
وأشار إلى أن الحد الفاصل بين الاضطراب والجنون هو الخط الفاصل الذي يعتد به القانون، مؤكدًا على أن الاضطرابات والضغوط النفسية، طالما لم تصل إلى مرحلة "الجنون" المطابق للوصف القانوني، فلا قيمة لها في تقييم الجرم.
وأوضح أنه إذا وصلت الحالة إلى مرحلة الجنون، فإنها تدخل في نطاق "عوارض الأهلية" التي تعدم المسؤولية، أما إذا كان الشخص يمارس حياته اليومية بشكل طبيعي ومعتاد، ثم ارتكب جريمة تحت تأثير ضغوط معينة، فلا يعتد بها قانونًا، مفسرًا ذلك بأنه لو فتح المشرع الباب للاعتداد بالضغوط لارتكب الكثيرون جرائم مختلفة دون أن توقع عليهم أي عقوبة.
نقلا عن العدد الورقي
