رئيس التحرير
عصام كامل

دعوة صادقة باركت الأرض وجمعت المسلمين إلى يوم الدين

18 حجم الخط

في ظل احتفال المسلمين في شتى بقاع الأرض بموسم الحج لا بد أن نتذكر أن كل هذا الخير وتلك الفرحة هو نتاج دعوة مباركة مخلصة من قلب مؤمن، وهي دعوة أبينا إبراهيم عليه السلام وكانت دعوته المستجابة عندما لجأ إلى ربه بقوله: (رَبِّ اجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ).

ثم دعا ثانية (رَبِّ اجعَل هـذَا البَلَدَ آمِنًا وَاجنُبني وَبَنِيَّ أَن نَعبُدَ الأَصنامَ).. وكانت تتمة الدعوات بخير نعم السماء للأرض بسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).

ومن هنا لا بد أن ندرك فضل دعاء الصالحين وأهمية الإخلاص في الدعاء الذي من الممكن أن يغير وجه الأرض وحسن الظن بالله تعالى الذي لا يرد دعاء مخلص، فعن جابر رضي الله عنه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: 

يدعو الله بالمؤمن يوم القيامة حتى يوقفه بين يديه، فيقول: عبدي إني أمرتك أن تدعوني، ووعدتك أن أستجيب لك، فهل كنت تدعوني؟ فيقول: نعم يا رب، فيقول: أما إنك لم تدعني بدعوة إلا استجبت لك، أليس دعوتني يوم كذا وكذا أن أفرج عنك ما نزل بك ففرجت عنك، فيقول: نعم يا رب، فيقول: إني عجلتها لك في الدنيا، ودعوتني يوم كذا وكذا أن أفرج عنك ما نزل بك فلم تر فجرًا، قال: نعم يا رب.. 

فيقول: إني ادخرت لك بها في الجنة كذا وكذا، ودعوتني في حاجة أقضيها لك يوم كذا وكذا فقضيتها، فيقول: نعم يا رب، فيقول إني عجلتها لك في الدنيا، ودعوتني يوم كذا وكذا في حاجة أقضيها لك فلم تر قضاءها، فيقول: نعم يا رب فيقول: إني ادخرت لك بها في الجنة كذا وكذا» قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «فلا يدع دعوة دعا بها عبده المؤمن إلا بيّن له إما أن يكون عجّل له في الدنيا، وإما أن يكون أُدخر له في الآخرة، قال: فيقول المؤمن في ذلك المقام يا ليته لم يكن عجّل له شيء من دعائه» ورد بجامع الأصول.

وقد حَجَّ الإمام سفيان بن عيينة سبعين مرة. في كل مرة يقول ليلة عرفة: اللهم لا تجعله آخر العهد منك، وفي آخرها قال: قد استحييت من الله تعالى، فرجع فتُوفي في العام القابل! (تاريخ الإسلام / الذهبي (١٣/ ١١٩)).

وقال ابن المنكدر رحمه الله: “إِنِّي لَلَيْلَةً حِذَاءَ هَذَا الْمِنْبَرِ جَوْفَ اللَّيْلِ أَدْعُو، إِذَا إِنْسَانٌ عِنْدَ أُسْطُوَانَةٍ مُقَنِّعٌ رَأْسَهُ، فَأَسْمَعُهُ يَقُولُ: أَيْ رَبِّ، إِنَّ الْقَحْطَ قَدِ اشْتَدَّ عَلَى عِبَادِكَ، وَإِنِّي مُقْسِمٌ عَلَيْكَ يَا رَبِّ إِلا سَقَيْتَهُمْ، قَالَ: فَمَا كَانَ إِلا سَاعَةٌ إِذَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَقْبَلَتْ، ثُمَّ أَرْسَلَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَكَانَ عَزِيزًا عَلَى ابْنِ الْمُنْكَدِرِ أَنْ يَخْفي عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ..”. 

فَقَالَ: هَذَا بِالْمَدِينَةِ وَلا أَعْرِفُهُ، فَلَمَّا سَلَّمَ الإمام تَقَنَّعَ وَانْصَرَفَ، فَاتَّبَعَهُ وَلَمْ يَجْلِسْ لِلْقَاصِّ حَتَّى أَتَى دَارَ أَنَسٍ، فَدَخَلَ مَوْضِعًا، وَأخرج مِفْتَاحًا، فَفَتَحَ ثُمَّ دَخَلَ، قَالَ: وَرَجَعْتُ فَلَمَّا سَبَّحْتُ أَتَيْتُهُ، فَإِذَا أَنَا أَسْمَعُ نَجْرًا فِي بَيْتِهِ فَسَلَّمْتُ، ثُمَّ قُلْتُ: أَدْخُلُ؟ 

قَالَ: ادْخُلْ، فَإِذَا هُوَ يَنْجُرُ أَقْدَاحًا يَعْمَلُهَا، فَقُلْتُ: كَيْفَ أَصْبَحْتَ أَصْلَحَكَ اللَّهُ؟ قَالَ: فَاسْتَشْهَدَهَا وَأَعْظَمَهَا مِنِّي، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ، قُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ إِقْسَامَكَ الْبَارِحَةَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَا أَخِي، هَلْ لَكَ فِي نَفَقَةٍ تُغْنِيكَ عَنْ هَذَا، وَتُفْرِغُكَ لِمَا تُرِيدُ مِنَ الآخِرَةِ؟ 

فَقَالَ: لا، وَلَكِنْ غَيْرَ ذَلِكَ لا تَذْكُرْنِي لأَحَدٍ، وَلا تَذْكُرْ هَذَا عِنْدَ أَحَدٍ حَتَّى أَمُوتَ، وَلا تَأْتِيَنِّي يَا بْنَ الْمُنْكَدِرِ، فَإِنَّكَ إِنْ تَأْتِنِي شَهَرْتَنِي لِلنَّاسِ، فَقُلْتُ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَلْقَاكَ، قَالَ: الْقَنِي فِي الْمَسْجِدِ، وَكَانَ فَارِسِيًّا"، قَالَ: فَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ لأَحَدٍ حَتَّى مَاتَ الرَّجُلُ رَحِمَهُ اللَّهُ، قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: بَلَغَنِي أَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ ذَلِكَ الدَّارِ، فَلَمْ يَرَهُ وَلَمْ يَدْرِ أَيْنَ ذَهَبَ، فَقَالَ أَهْلُ تِلْكَ الدَّارِ: اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، أخرج عَنَّا الرَّجُلَ الصَّالِحَ؛ (حلية الأولياء).

وقال أبو هريرة رضي الله عنه: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة فدعوتها يومًا فأسمعتني في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما أكره، فأتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنا أبكي. قلت: يا رسول الله، إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فأدع الله أن يهدي أم أبي هريرة فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم اهد أم أبي هريرة» فخرجت مستبشرًا بدعوة نبي الله -صلى الله عليه وسلم- 

فلما جئت فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف -أي: مغلق- فسمعت أمي خشف قدمي -أي صوتهما على الأرض- فقالت: مكانك يا أبا هريرة وسمعت خضخضة الماء -أي صوت تحريك الماء- قال: فاغتسلت ولبست درعها، وعجلت عن خمارها ففتحت الباب ثم قالت: يا أبا هريرة؛ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. 

قال: فرجعت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأتيته وأنا أبكي من الفرح، قال: قلت: يا رسول الله أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة، فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرًا، قال: قلت يا رسول الله أدع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين، ويحببهم إلينا. 

قال: فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم حبب عُبَيدك هذا -يعني أبا هريرة- وأمه إلى عبادك المؤمنين وحبب إليهم المؤمنين» فما خُلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبني [مسلم 4546].

وكان لسعيد بن جبير ديك يقوم من الليل بصياحه، فلم يصح ليلة من الليالي حتى أصبح ولم يصل سعيد تلك الليلة -أي لم يصل قيام الليل- فشق عليه ذلك قال: ما له قطع الله صوته -يعني الديك- وكان سعيد مجاب الدعوة فما سمع للديك صوت بعد ذلك الدعاء فقالت أم سعيد: يا بُني لا تدع على شيء بعدها ذكر ذلك الذهبي في كتابه (سير أعلام النبلاء).

فأكثروا من الدعاء وأخلصوا لله في دعائكم، فليس لنا من انفراج غم أو كرب إلا بإخلاص الدعاء لله تعالى.

الجريدة الرسمية