رئيس التحرير
عصام كامل

طارق حماد: إنقاذ الهيئات الاقتصادية من الخسائر يتطلب تحريكا معقولا لأسعار الخدمات لضمان الاستمرارية

الدكتور طارق حماد،
الدكتور طارق حماد، فيتو
18 حجم الخط

رغم إبراز التقرير الختامي للموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2024/ 2025 التحول الجوهري في إدارة الأداء المالي للهيئات الاقتصادية، حيث تم استحداث "موازنة الحكومة العامة" لتشمل موازنات جميع الهيئات العامة الاقتصادية البالغ عددها 59 هيئة إلى جانب موازنة الجهاز الإداري للدولة، إلا أن هذه الهيئات تكبدت خسائر كبيرة وعجزًا اقتصاديًا وصل 344 ملاير جنيه، إضافة إلى تحقيق 11 هيئة منهم نحو 16 مليار خسائر في عام واحد. 

وصول العجز الكلي إلى 344 مليار جنيه

وأرجع التقرير وصول العجز الكلي إلى 344 مليار جنيه لعدة عوامل هيكلية ومالية، منها شراء الأصول المالية أي الاستثمارات، إذ قامت الهيئات الاقتصادية بشراء أصول مالية (مساهمات وحقوق ملكية) بقيمة 189.219 مليار جنيه، وهو بند يضاف إلى العجز النقدي ليصل بنا إلى العجز الكلي.

يضاف إلى ذلك أعباء الفوائد والقروض، إذ بلغت فوائد الديون التي تحملتها الهيئات الاقتصادية نحو 74.122 مليار جنيه، كما سددت الهيئات قروضًا محلية وأجنبية بقيمة 268.005 مليار جنيه.

وأوضح التقرير أن الهيئة العامة للطرق والكباري، جاءت على رأس الهيئات التي تطلبت تمويلات ضخمة، إذ بلغ حجم مصروفاتها الفعلية 57.3 مليار جنيه، يليها صندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري، الذي بلغت استخداماته 51.8 مليار جنيه.

فيما سجلت الهيئة القومية لمياه الشرب والصرف الصحي، مصروفات بقيمة 33 مليار جنيه، وبلغت مصروفات الهيئة العامة للرعاية الصحية نحو 16.6 مليار جنيه.

وبعد أن استعرضنا أبرز المؤشرات في أداء الهيئات الاقتصادية، يتبقى الإجابة عن عدة أسئلة على رأسها؛ لماذا ينزف المال العام في مصر بصفة عامة أو يتكبد خسائر، وما هي أبرز الحلول لتحويل هذا الهيئات إلى الربحية؟

أسباب تكبد الهيئات الاقتصادية خسائر فادحة

قال الدكتور طارق حماد العميد الأسبق لكلية التجارة بجامعة عين شمس: إن الأسباب متعددة؛ أولها وجود عمالة زائدة عن الحد المثالي، حيث يفتقر العمل الحكومي للتوازن الدقيق الموجود في القطاع الخاص وتتدخل فيه أحيانًا «الوساطات». ومع ارتفاع الحد الأدنى للأجور والحوافز نتيجة الحالة الاقتصادية الصعبة، تضخمت المصروفات بشكل كبير. 

وأشار إلى أن ذلك يرجع أيضًا إلى الفساد الإداري، الذي لا يعني السرقة فقط، بل تقاضي رواتب ومكافئات دون عمل فعلي، والتعيينات غير الضرورية، والإسراف في بنود مثل وقود السيارات المخصصة للمسؤولين، وتغيير الأثاث وأعمال النقاشة المتكررة التي تكلف مبالغ ضخمة.

الحكومة تلتزم بتسعيرة معينة لا تثقل كاهل المواطن

وأضاف: أنه من ناحية أخرى، فإن الإيرادات «مكتومة» لأن الدولة تلتزم بتسعيرة معينة لا تثقل كاهل المواطن، ويرجع ذلك لما يسمى الربح الاجتماعي؛ فخدمات مثل مياه الشرب والكهرباء والتموين لا يمكن إطلاق أسعارها للسعر العالمي لأنها تمثل ضغطًا كبيرًا على المواطن.

وتابع: على سبيل المثال، لا يمكن جعل تذكرة المترو بـ 20 أو 30 جنيهًا لأن ذلك يفوق قدرة الموظفين، كما تضطر الدولة في قطاعات مثل الإعلام لمنح أجور مرتفعة للاحتفاظ بالكوادر المحترفة لضمان وصول الرسالة الإعلامية للمواطنين ومنع انتقالهم للقنوات الخاصة.

وأوضح «حماد» أن الهيئات الاقتصادية لا تُعامل بمنظور القطاع الخاص الباحث عن الربح فقط، بل تُستخدم أحيانًا كمخزن للعمالة لتجنب الانفجار الاجتماعي، ولكن ذلك يأتي على حساب الكفاءة الاقتصادية.

وحدة الموازنة مبدأ أساسي

وقال: إن وحدة الموازنة مبدأ أساسي؛ لأن الموازنات المستقلة تتيح الإسراف والفساد، وعندما تكون الموازنة مستقلة، تسعى الجهة لإنفاق كامل إيراداتها لرفع مصروفاتها. أما دمجها فيتيح لوزارة المالية ومجلس النواب تحديد الأولويات وتوزيع الموارد المحدودة على قطاعات مثل الصحة والتعليم والأمن وفق رؤية الدولة.

هل طرح أجزاء للقطاع الخاص بنظام الإدارة يقلل نزيف الخسائر؟

ووردًا على سؤالًا بشأن هل طرح أجزاء للقطاع الخاص بنظام الإدارة يقلل نزيف الخسائر؛ أوضح الدكتور طارق حماد، أن الإدارة وحدها لن تنجح إذا لم يحدث تغيير شامل وهيكلة جذرية مالية وإدارية وفنية، ويجب إعادة تدريب وتأهيل العمالة الزائدة وتوجيهها لجهات أخرى، والعمل بمفهوم القطاع الخاص، مع ضرورة القضاء على ظاهرة المستشارين الذين يتخطون سن الستين ويحتفظون بامتيازات ضخمة من سيارات وسكرتارية ورواتب عالية، مما يشكل عبئًا ماليًا كبيرًا.

وأضاف أن الخصخصة كلما أمكن ذلك هي الأفضل، مع ضرورة احتفاظ الدولة بالهيئات التي تمس الأمن القومي أو الخدمات الأساسية التي قد يبالغ القطاع الخاص في تسعيرها على المواطن.

وتابع: أنه لا يمكن الإغلاق المطلق لبعض الهيئات الاقتصادية؛ فمثلًا مترو الأنفاق كان مديونًا ديونًا رهيبة وعلى وشك الإغلاق حين كانت التذكرة بجنيه، ولكن تحريك السعر تدريجيًا أعاد له «نبض الحياة» وجعله مرفقًا مستمرًا في العمل، لذلك فإن الإنقاذ يتطلب مسارين متوازيين: تحريك معقول للأسعار لضمان استمرارية المرفق، مع رقابة محكمة على المصروفات والعمالة الزائدة والفساد.

بعض الهيئات كالسكة الحديد تلتهم فوائد القروض إيراداتها

وأشار إلى أن بعض الهيئات كالسكة الحديد تلتهم فوائد القروض إيراداتها؛ والتي يمكن مساعدتها بجدولة الديون، ولكن لا يصح تثبيت الأسعار لفترات طويلة، فمرفق مياه القاهرة الكبرى كان مديونًا بـ 5 مليارات جنيه بسبب فجوة التسعير، ورغيف الخبز ظل بـ 5 قروش لـ 20 عامًا وهذا غير منطقي اقتصاديًا، فتثبيت السعر بشكل مطلق هو قرار خاطئ، لأن المرفق إذا توقف سيكون المواطن هو المتضرر الأول.

الجريدة الرسمية