رئيس التحرير
عصام كامل

حصانة تشريعية لـ"بركة العمر"، كيف وضع قانون المسنين الجديد خطوطا حمراء ضد الإهمال والاستغلال؟

كبار السن، فيتو
كبار السن، فيتو
18 حجم الخط

لم تعد رعاية كبار السن مجرد التزام أدبي أو قيمة أخلاقية تتوارثها الأجيال، بل تحولت في الدولة الحديثة إلى مظلة تشريعية إلزامية تضمن صون كرامتهم وحفظ مكانتهم الاجتماعية والصحية والاقتصادية. وفي هذا السياق، يبرز القانون رقم 19 لسنة 2024، المعروف بـ "قانون رعاية حقوق المسنين"، كخطوة صلبة نحو مأسسة منظومة الحماية الاجتماعية؛ إذ لا يستهدف التكريم الفخري فحسب، بل يضع أطرًا قانونية وتنفيذية صارمة تمنع تهميش هذه الفئة أو تعريضها للمعاناة اليومية، بما يضمن دمجهم المستمر في الحياة العامة وتيسير حصولهم على الخدمات دون تكدس أو مشقة.

رفع الوعي ومكافحة صور الاستغلال والإهمال في حقوق كبار السن 

يستهدف القانون بشكل مباشر رفع الوعي المجتمعي بحقوق كبار السن، ملزمًا كافة الجهات والهيئات بتوفير سبل الإتاحة البيئية والميدانية المناسبة لهم، وفي مقدمتها تخصيص منافذ خدمية منفصلة تضمن سرعة إنجاز معاملاتهم الحكومية واليومية دون مزاحمة أو عناء. وفي خطوة لافتة تعكس عمق القراءة الميدانية لواقع المشكلات الأسرية، حددت المادة 24 من التشريع الحالات التي يُعد فيها المسن معرضًا للخطر بشكل واضح، وشملت صورًا متعددة من الإهمال، أو العنف، أو الاستغلال، مثل العزل غير القانوني، أو الحرمان المتعمد من الرعاية الصحية والغذائية الأساسية، أو إيداعه في مؤسسات الرعاية دون مبرر طبي أو اجتماعي كافٍ، فضلًا عن التعرض للإساءة اللفظية أو الجسدية، أو التشرد، أو الاستغلال في أعمال التسول.

أشكال التدخل اللحظي لحماية كبار السن 

وامتدت التغطية التشريعية لتشمل الحالات التي قد تهدد سلامة المسن نتيجة ظروف صحية أو نفسية طارئة تؤثر على قدرته على الإدراك واتخاذ القرار، أو تلك الناتجة عن فقدان المفاجئ لمن يتولى رعايته أو التخلي عنه من قبل ذويه. وضمانًا لعدم بقاء هذه النصوص حبيسة الأوراق، ألزمت المادة 25 الوزارة المختصة بإنشاء آليات رصد ميدانية ورقابية فعالة لمتابعة هذه المخاطر؛ وجاء في مقدمتها تخصيص "خط ساخن" قومي لتلقي بلاغات الإساءة أو الإهمال، مع إلزام الجهات التنفيذية بسرعة الاستجابة الفورية والتنسيق اللحظي مع جهات التحقيق والوزارات المعنية لحماية حياة وكرامة المسنين وإخراجهم من بيئة الخطر فورًا.

تكمن القيمة المعرفية والاجتماعية لهذا القانون في كونه ينقل ملف المسنين من إطار "الرعاية الإحسانية" إلى إطار "الحقوق المكتسبة والمحمية بقوة القانون".

إن تحديد حالات الخطر بدقة يحمي كبار السن من الأشكال المستترة للعنف الأسري أو المادي، ويمنع استغلال ضعفهم البنيوي أو الإدراكي، وهو ما يحول المنظومة التشريعية إلى درع واقٍ يضمن أن تظل سنوات العمر المتقدمة محاطة بالاحترام والأمان المالي والنفسي.

وعلى الصعيد الميداني والتنفيذي، يمثل الخط الساخن وإلزامية الإتاحة في المنافذ الخدمية صمام أمان حقيقي لتخفيف الضغط الروتيني عن كبار السن في الشارع. إن نجاح هذا التشريع يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمدى وعي المجتمع والمؤسسات ببنوده، لضمان تحويل هذه المواد القانونية إلى سلوك يومي وثقافة عامة تحكم المعاملات في كافة القطاعات، بما يصب في مصلحة بناء مجتمع متماسك يحمي ماضيه ليؤمن مستقبله.

الجريدة الرسمية