حتى لا تتكرر إشارات أمير عيد البذيئة!
حتى فترة قريبة، لم يكن الصحفي يهتم بتغطية الجنازات وسرادقات العزاء، ولا كانت المؤسسات الصحفية –على اختلاف حجمها وتوجهاتها– توفد مندوبا عنها أو مصورا يعمل بها لمتابعة مراسم الدفن والعزاء لأي شخص، إلا لو كان رحمة الله عليه من الشخصيات المهمة وذات الجماهيرية الكبرى..
ولعل أبرز دليل على ذلك أن الأرشيف الصحفي لا يحوى إلا صورا من جنازات العظماء، ومن أبرزهم في السياسة جمال عبدالناصر، وفي الفن أم كلثوم وعبدالحليم حافظ، وحتى هؤلاء العظماء لن تجد في الأرشيف صورا أو تغطيات صحفية لجنازات أقاربهم، رغم أن المنطق يقول إنه في يوم ما لابد أن أحد أقارب أم كلثوم أو عبدالحليم حافظ قد توفاهم الله بينما أقاربهم النجوم مازالوا على قيد الحياة!
لكن جرت في النهر مياه كثيرة، وظهرت شبكة الإنترنت، ومن وراءها مواقع التواصل الاجتماعي، التي فتحت الباب للباحثين عن فرصة عمل أو شهرة، أو عن باب رزق يعينهم على مصاعب الحياة، فاختلط الحابل بالنابل، وصار كل من يحمل كاميرا يعتبر نفسه ويعتبره الناس صحفيا، ثم تطورت الدنيا أكثر، وظهرت الهواتف الذكية، فلم يعد أحدهم مضطرا لشراء كاميرا.
أقول كل هذا لأنني تابعت معكم منذ أيام ما حدث في عزاء والد طليقة الفنان أمير عيد، وربما كنت سأتفهم موقف من ذهبوا لتصوير مراسم العزاء في المرحوم الذي لا يعرفون حتى اسمه، لو كانت ابنته مازالت زوجة للفنان المعروف، لكنها للأسف طليقته!
دخل الفنان مكان العزاء، ونظر حوله فوجد مجموعة من الشباب يرفعون هواتفهم ليصوروه، فما كان منه إلا أن أشار لهم بيده بإشارة بذيئة معروفة، والتقطت كاميراتهم الحدث وسجلته في لحظته، ولا أعرف الدافع وراء هذا التصرف الوقح، الذي يظل وقحا حتى لو كان وراءه دافع قوي.
تزامن ذلك مع اجتماع عقده مجلس نقابة الصحفيين برئاسة خالد البلشي وأصدر بيانا تضمن مجموعة من الأكواد التي أكد مجلس النقابة أنها تستهدف الحفاظ على المهنة وتعتبر مكملة لميثاق الشرف الصحفي مطالبا المؤسسات الصحفية بالالتزام بها ومتوعدا بمحاسبة من يخالفها، وكان من بين هذه الأكواد أو التوجيهات، بندا خاصا بقواعد وأخلاقيات تصوير وتغطية الجنازات..
وتضمن هذا البند عدة قواعد، من بينها قصر تصوير وتغطية الجنازات على جنازات الشخصيات العامة التي يتم نقلها كحدث عام للتوثيق، بالإضافة لمراعاة الخصوصية ومشاعر أهل وأقارب المتوفي، لدرجة أن بيان النقابة اقترح على المصورين زوايا معينة لالتقاط صورهم..
وأوصى بالبحث عن مكان مرتفع يكشف مكان العزاء كاملا للتصوير منه، منعا لأي احتكاك محتمل بين المصور والحاضرين، واقترح كذلك استخدام عدسات طويلة البعد البؤري، وأوضح أن صور (السيلفي) لا يمكن أن تكون مناسبة لتصوير الجنازة أو العزاء.
ومع الاحترام الكامل لبيان مجلس النقابة، إلا أنه يظل شبيها بالإرشادات التي كانت وزارة التعليم تطبعها على الغلاف الخلفي لكراسات التلاميذ في الماضي، من عينة (حافظ على نظافة فصلك، واغسل يديك قبل الأكل وبعده).
لا أقصد بالطبع التقليل من شأن بيان مجلس النقابة الذي يحاول وضع أطر تنظيمية تمنع وقوع حوادث مشابهة لموقف أمير عيد في المستقبل، ولكن أعتقد أن الأمر يحتاج تدخلا قويا وفعالا، خاصة أن البيان قد يعطي للقارئ غير المتابع انطباعا خاطئا..
ويؤكد –من حيث لا يدري– أن الشباب الذين نراهم في كل مناسبة وهم يرفعون هواتفهم، ويتزاحمون لالتقاط الصور صحفيون بالفعل، وهم في حقيقة الأمر لا علاقة لهم بالصحافة وإنما يديرون صفحات على منصات التواصل الاجتماعي، ويرغبون في زيادة المشاهدات.
ما أعنيه بالتدخل القوي الفاعل، إجراء يبرئ النسبة الأكبر من الصحفيين من هذه الممارسات، وفي نفس الوقت يقدم حلا للمشكلة يغلق الباب على الأدعياء ويمنعهم من انتحال صفة الصحفيين والإساءة إليهم بتصرفاتهم..
وفي هذا السياق أذكر أنني قرأت اقتراحا ربما لأحد الكتاب، أو أعضاء مجلس النقابة السابقين، يقترح فيه أن تمتنع الصحف والمؤسسات تماما عن إرسال مندوبين عنها لتغطية مثل هذه المناسبات، على أن توفد نقابة الصحفيين دون غيرها واحدا من أعضائها للتصوير..
ويتم إتاحة الصور في النقابة لأي صحيفة أو مؤسسة تطلبها، حتى لا يتحجج البعض بأن النقابة تمنعهم من أداء دورهم، وتصادر على القارئ حقه في المعرفة.
أعتقد أن حلا كهذا سيكون كفيلا بوضع حد لهذه المهزلة، وهو أقوى كثيرا من إرشادات النظافة من الإيمان التي يسميها مجلس النقابة (أكوادا مهنية)، وإن لم نفعل ذلك فسوف يظل السيد أمير عيد وغيره يصدرون إشاراتهم البذيئة، ليس في وجه مجموعة من الشباب الأرزقي، ولكن في وجوهنا جميعا!
