عاصم منير الرجل الأقوى في باكستان.. وضع إسلام آباد على خريطة الدبلوماسية الدولية.. تصدر طاولة مفاوضات واشنطن وطهران.. يلقب بـ"الجنرال الملا".. وترامب وصفه بـ"المقاتل العظيم"
عاصم منير، منذ اللحظة الأولى التي أعلنت فيها باكستان عن استضافة أولى جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران في ظل هدنة الـ15 يوما لوقف الحرب التي اندلعت في 28 فبراير 2026، برز اسم رئيس أركان الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بوصفه "العقل المدبر" لتلك المفاوضات، مدعوما بعلاقته القوية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والذي طالما وصفه بـ"القائد المفضل".
ولد منير في عام 1966، وهو رئيس أركان الجيش الباكستاني الحادي عشر منذ نوفمبر 2022، لعائلة تعود أصولها إلى مدينة جالندر الهندية، لكنها هاجرت إلى باكستان في أعقاب استقلال باكستان عن الهند عام 1947؛ وكان والده معلما؛ ودرس وتدرب في العديد من المؤسسات والمعاهد العسكرية حول العالم، كمدرسة فوجي العسكرية في اليابان، وكلية القوات المسلحة الماليزية، وكلية القيادة والأركان في كويتا الباكستانية، ونال درجة الماجستير في السياسات العامة وإدارة الأمن الاستراتيجي من جامعة الدفاع الوطني في إسلام آباد.

ويعد الرجل الأقوى في باكستان والمهندس الفعلي لسياسة إسلام آباد الخارجية والدفاعية، ويوصف بـ"الجنرال الملا" لخلفيته الدينية، ويحظى بنفوذ دولي اكتسبه خلال توليه رئاسة جهاز المخابرات الباكستاني في عام 2018، قبل أن يقيله رئيس الوزراء السابق عمران خان منصبه بعد ثمانية أشهر فقط، دون الإعلان عن أسباب الإقالة.
لكن منير عاد ليتولى قيادة الجيش الباكستاني منذ 29 نوفمبر 2022، وحتى اليوم، بعد إقالة خان من منصبه في تصويت حجب الثقة في أبريل 2022؛ حيث عين منير قائدا للجيش بعد ذلك بستة أشهر فقط في حدث وصفه خبراء بـ"الاستثنائي"؛ فيما أقر البرلمان الباكستاني -بسرعة وبأغلبية ساحقة- تعديلا دستوريا يوسع الدور الدستوري لرئيس أركان الجيش بإنشاء منصب جديد وهو قائد قوات الدفاع، ليمنحه القيادة الرسمية للجيش والبحرية والقوات الجوية. كما منحه القرار حصانة قانونية مدى الحياة.
أجنحة منير تعاود الطيران بصراعات عسكرية
شهدت فترة قيادة منير للجيش الباكستاني شهدت العديد من الصراعات العسكرية، وخاصة بين باكستان وجارتها الهند؛ وأهمها والضربات الصاروخية المتبادلة بين البلدين في الفترة من 24 إبريل وحتى 10 مايو 2025، إثر هجوم إرهابي في وادي بايساران؛ وهي الضربات التي أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توقفها، في خطوة زادت من حجم علاقات الود بين منير وترامب، حيث جاءت في توقيت كانت فيه إسلام آباد الطرف الأقوى في المعركة، بين الجارتين النوويتين؛ إذ وصفه ترامب بـ"المقاتل العظيم" و"الشخصية المهمة جدا" و"الإنسان الاستثنائي".
في يونيو 2025، استضاف البيت الأبيض منير في زيارة دولة، في خطوة عكست متانة العلاقة الشخصية بينه وبين ترامب، الذي صرح علنا قائلا: "باكستان تعرف إيران جيدا، إنها تعرفها أكثر من معظم الدول".
كما استقبل ترامب رئيس أركان الجيش الباكستاني على مأدبة غداء في لقاء غير مسبوق داخل البيت الأبيض؛ إذ كانت هذه هي المرة الأولى التي يستضيف فيها رئيس أمريكي قائدا للجيش الباكستاني دون حضور مسؤولين مدنيين كبار من باكستان.
علاقة خاصة بين منير وترامب
يقول الكاتب الباكستاني الأمريكي والمتخصص في الشؤون السياسية والأمنية حسن عباس في تصريحات لـ"فرانس 24": خلال تلك الزيارة، تعززت مكانة منير الدبلوماسية بشكل أساسي بسبب الحرب مع الهند، ثم بفضل جهوده في واشنطن العاصمة؛ وكانت صوره ولقاءه على الغداء مع الرئيس ترامب هما العاملان اللذان غيرا صورته الدولية.
ونتيجة لذلك، عندما عرضت إسلام آباد خدمات الوساطة لإنهاء الحرب مع إيران، قوبل هذا العرض بترحاب واشنطن من "رجل موثوق" أمريكيا، ينظر إلى بلده باعتبارها "وسيطا محوريا"، بحسب موقع "ذا ناشيونال إنترست" الأمريكي.

وعكست كواليس اتفاقية وقف إطلاق النار هذه الديناميكية؛ إذ كان منير على اتصال "طوال الليل" مع نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بينما كانت بوادر الاتفاق تتبلور في السادس من أبريل 2026.
وعندما غادر الوفدان الأمريكي والإيراني باكستان، كان منير حاضرا مجددا على مدرج المطار لتوديع الزوار؛ وعلى الرغم من عدم التوصل إلى اتفاق، إلا أن كلا الطرفين قدم شكره الجزيل لمضيفيه، ولا سيما منير.
هيمنة بارزة على المشهد الباكستاني
بخلفيته العقائدية الصلبة، تزامن صعود منير لتمثيل مصالح بلاده على الساحة الدولية مع ترسيخ السلطة العسكرية في باكستان، ما منحه صانة قانونية غير مسبوقة وفترة ولاية ممتدة؛ حيث اضطلع الجيش ككل بدور أكثر بروزا في الحكم؛ خاصة بعد حكم السجن لمدة 14 عاما، والذي طال رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان في أغسطس 2023، بتهم فساد، في واحدة من عشرات القضايا التي يقول عمران إنها ملفقة كي يبعده الجيش عن السياسة، واصفا منير بأنه "شخص غير مستقر عقليا، وتسبب في الانهيار الكامل للدستور وسيادة القانون في باكستان"؛ وهي الاتهامات التي نفاها الجيش الباكستاني، متهما خان بـ"النرجسية".
سد فجوة أسامة بن لادن
تزامن صعود منير أيضا مع تحركات باكستانية قوية لسد الفجوة الأمريكية الباكستانية، والذي عانت تدهورا كبيرا بعد اكتشاف أن زعيم تنظيم القاعدة الراحل أسامة بن لادن كان يقيم في إحدى المدن الباكستانية، وقتلته الولايات المتحدة هناك في عملية سرية عام 2011.
وازدادت العلاقات سوءا خلال فترة حكم رئيس الوزراء السابق عمران خان، لكن بعد فترة وجيزة من إعادة انتخاب ترامب، وبفضل "شراكة استثنائية"، تمكنت باكستان من قتل عشرات المسلحين من تنظيم داعش في آسيا الوسطى، المعروف باسم "داعش-خراسان"، بناء على معلومات استخباراتية أمريكية، وفقا لما صرح به القائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية الجنرال مايكل كوريلا؛ كما ألقت باكستان القبض على 5 أفراد على الأقل من ذوي الأهمية البالغة، من بينهم مخطط تفجير مطار كابول عام 2021، بحسب كوريلا الذي قال: "أول شخص اتصل به منير كان أنا؛ لقد حدثني قائلا: لقد قبضت عليه، وأنا على استعداد لتسليمه إلى الولايات المتحدة".
باكستان رابحة مهما كانت نتائج المفاوضات
بحسب تقارير إعلامية، فإن دخول منير على خط التفاوض بين واشنطن وطهران يعد مكسبا لبلاده بغض النظر عن النتائج المستقبلية، مؤمنا بأن "إسلام آباد لن تخسر شيئا"؛ فعلى مدى عقود طويلة، انتهجت الهند استراتيجية دبلوماسية لتهميش باكستان تقوم على عزلها دوليا من خلال الترويج لملف رعايتها لـ"الإرهاب العابر للحدود"، و إبعاد باكستان عن المحافل الدولية، وتصويرها كجهة مزعزعة للاستقرار بدلا من دولة مسؤولة؛ وقد حققت هذه الاستراتيجية نجاحا جزئيا، حيث وضعت باكستان في موقف دفاعي في المحافل الدولية، في محاولة لتصحيح تلك التصورات بدلا من صياغة الأجندات.
لكن وساطة منير في الملف الإيراني غيرت هذا الوضع بشكل كبير؛ حيث ينظر إلى باكستان الآن باعتبارها القوة المحركة في مفاوضات بين أكبر اقتصاد في العالم وإحدى أهم دول الشرق الأوسط. واستضافة هذه المحادثات، بغض النظر عن نتائجها، تضع باكستان على خريطة الفاعلين الدبلوماسيين الجادين، بشكل لم يكن ليتحقق من خلال أي بيان أو قمة ثنائية.

أما إذا انهارت المحادثات بسبب الخلافات بين الطرفين، فإن باكستان –وفي القلب منها عاصم منير- ستخرج بمصداقية معززة وعلاقات أقوى مع كل من واشنطن وطهران.
أما إذا تواصلت اللقاءات الأمريكية الإيرانية، وتمكنت إسلام آباد من التوصل إلى إطار عمل مستدام بين الطرفين اللذين يخوضان صراعا مفتوحا منذ أشهر، فسيكون العائد البلوماسي –بل والعسكري أيضا- كبيرا بالنسبة لرجل باكستان الأقوى "عاصم منير"؛ حيث ستصنف هذه الوساطة ضمن أهم الوساطات التي قامت بها دولة من جنوب آسيا في الآونة الأخيرة. وستعزز مكانة باكستان الدولية بشكل ملموس في وقت تسعى فيه إسلام آباد جاهدة لإعادة بناء صورتها.
- المصادر
ناشونال إنترست
فرانس 24
رويترز
بي بي سي




