في حضن الكبريتاج، المصريون يحتفلون بأعياد الربيع بطريقتهم الخاصة
في قلب منطقة حلوان، وعلى مقربة من ضفاف النيل، تقف حديقة كبريتاج حلوان كواحدة من أقدم الحدائق العامة التي ارتبطت بذاكرة المصريين، خاصة في الأعياد والمواسم الشعبية.
تعود تسمية “كبريتاج” إلى طبيعة المنطقة الغنية بعيون المياه الكبريتية، التي اشتهرت بها حلوان منذ القرن التاسع عشر كمصيف علاجي يرتاده المرضى والزائرون للاستشفاء.
أما الحديقة نفسها، فقد أُنشئت في عهد الخديوي إسماعيل ضمن مشروعه لتطوير حلوان وتحويلها إلى مدينة استشفائية راقية على الطراز الأوروبي، فكانت المساحات الخضراء جزءًا من هذا التصور الحضاري الذي يجمع بين الجمال والطبيعة والعلاج.



شم النسيم حين تتحول الحديقة إلى مهرجان شعبي
مع أول خيوط صباح شم النسيم، تبدأ الحديقة في استقبال زوارها من كل الأعمار. العائلات تتوافد منذ ساعات الفجر الأولى، حاملين حقائب الطعام التقليدي، من الفسيخ والرنجة إلى البيض الملون والخس والبصل الأخضر.
تتحول “كبريتاج” في هذا اليوم إلى ما يشبه المهرجان المفتوح، حيث تختلط الضحكات بروائح الطعام، وأصوات الأطفال بنداءات الباعة الجائلين، في مشهد يعكس روح المصريين وقدرتهم على صناعة الفرح من أبسط التفاصيل.



زحام بطعم الحنين
رغم الازدحام الشديد الذي يميز هذا اليوم، إلا أن الزائر لا يشعر بالضيق بقدر ما يشعر بأنه جزء من طقس جماعي ممتد عبر الزمن.
المساحات الخضراء تمتلئ عن آخرها، والطرق الداخلية بالكاد تستوعب حركة السير، لكن هذا الزحام يحمل طابعًا خاصًا؛ فهو زحام الأعياد، حيث يتشارك الجميع نفس الهدف: الهروب من ضغوط الحياة اليومية والاحتفال بيوم استثنائي.
تجلس العائلات متجاورة، دون حواجز، في مشهد يعيد إلى الأذهان فكرة “اللمة” التي تكاد تختفي في زحام المدينة الحديثة.





العجل حرية على عجلتين
من أبرز المشاهد داخل الحديقة، انتشار الأطفال والشباب وهم يقودون الدراجات. ركوب العجل هنا ليس مجرد نشاط ترفيهي، بل هو حالة من التحرر والانطلاق.
الأطفال يتسابقون في الممرات، يضحكون بصوت عالٍ، بينما يحاول الآباء ملاحقتهم أو توجيههم بحذر، بعض الدراجات مستأجرة من داخل الحديقة، ما يجعل التجربة متاحة للجميع، حتى لمن لا يملك دراجة خاصة.
في هذا المشهد، تبدو الحديقة وكأنها تعيد تعريف البساطة؛ فمتعة صغيرة مثل ركوب الدراجة تتحول إلى لحظة لا تُنسى.



كرة القدم مباراة بلا قواعد
على أطراف المساحات الخضراء، تتشكل مباريات كرة قدم عفوية. لا توجد فرق منظمة أو قوانين صارمة، فقط كرة، وعدد من الأطفال أو الشباب، ورغبة في اللعب.
تبدأ المباراة فجأة، وقد تنتهي فجأة أيضًا، لكن الحماس يظل حاضرًا. يتجمع المارة أحيانًا لمشاهدة هذه المباريات، وقد يشارك أحدهم فجأة، فيتحول من متفرج إلى لاعب.
هنا، لا يهم الفوز أو الخسارة، بل المشاركة نفسها، والشعور بالانتماء للحظة.




النهر الصغير مغامرة الطفولة
من أكثر المناطق جذبًا للأطفال داخل الحديقة، ذلك المجرى المائي الصغير الذي يطلق عليه الزوار “النهر”.
رغم تحذيرات الأهل، لا يستطيع الأطفال مقاومة إغراء النزول إلى المياه، فيغمسون أقدامهم، أو يركضون على الحواف، في مغامرة بسيطة تحمل الكثير من البهجة.
تعلو ضحكاتهم وهم يرشون الماء على بعضهم البعض، بينما يقف الكبار بين القلق والابتسام، في محاولة للموازنة بين حماية الأطفال وتركهم يعيشون لحظتهم.




بين الماضي والحاضر حديقة تقاوم الزمن
ورغم مرور عقود طويلة على إنشائها، لا تزال حديقة “كبريتاج” تحتفظ بجاذبيتها، وإن تغيرت بعض ملامحها. الأشجار القديمة تروي حكايات أجيال تعاقبت على نفس المكان، والمقاعد شهدت قصص حب وصداقة ولقاءات عائلية لا تُحصى.
يوم واحد وعمر من الذكريات
في نهاية يوم شم النسيم، تبدأ الحديقة في استعادة هدوئها تدريجيًا. تغادر العائلات، وتتلاشى الأصوات، لكن يبقى أثر اليوم حاضرًا في كل زاوية.
“كبريتاج” ليست مجرد حديقة، بل مساحة زمنية يعيش فيها المصريون لحظات من البهجة الجماعية، ويصنعون ذكريات تستمر لسنوات.
