رئيس التحرير
عصام كامل

شم النسيم 2026، هل تفسد الأسعار المرتفعة عادات المصريين؟ (صور)

ارتفاع الاسعار فى
ارتفاع الاسعار فى شم النسيم
18 حجم الخط

في قلب القاهرة، حيث تتقاطع الحكايات الشعبية مع التاريخ، يعود عيد شم النسيم كل عام حاملًا ملامح من حضارة تمتد لآلاف السنين. فالعيد الذي نعرفه اليوم هو امتداد لعيد “شمو” الفرعوني، الذي احتفل به المصري القديم باعتباره بداية الخلق وتجدد الحياة، مع تفتح الزهور واعتدال الطقس.

خرج الفراعنة في هذا اليوم إلى الحدائق وضفاف النيل، يحملون الطعام والزهور، في احتفال جماعي بالطبيعة، وكانت المائدة جزءًا أصيلًا من الطقس، تحمل رموزًا تتجاوز مجرد الأكل إلى معانٍ تتعلق بالحياة والخصوبة والانبعاث. هذه الطقوس، رغم تغير العصور، بقيت حاضرة في الوعي الشعبي، لتتحول إلى عيد اجتماعي يجمع المصريين حتى اليوم.

البصل الأخضر من طرد الأرواح إلى زينة الموائد

يظل البصل الأخضر أحد أبرز رموز شم النسيم، ليس فقط كعنصر غذائي، بل كحكاية ممتدة من زمن الأساطير. فقد اعتقد المصري القديم أن البصل يمتلك قدرة على طرد الأرواح الشريرة وشفاء الأمراض، وأصبح استخدامه في الاحتفالات تقليدًا راسخًا.

وتروي إحدى القصص الشعبية أن كاهنًا فرعونيًا استخدم البصل لعلاج مرض غامض أصاب ابن أحد الملوك، فتعافى، ومنذ ذلك الحين أصبح البصل رمزًا للحياة والصحة. لذلك لم يكن غريبًا أن يحرص المصريون على تناوله في هذا اليوم، أو حتى تعليقه على الأبواب في بعض المناطق قديمًا.

اليوم، ورغم تراجع البعد الأسطوري، لا يزال البصل الأخضر حاضرًا بقوة على موائد شم النسيم، كجزء من ذاكرة جماعية لم تنقطع.

 

اللون الأخضر احتفال بالحياة في كل تفاصيله
 

لم تقتصر رمزية العيد على البصل فقط، بل امتدت لتشمل كل ما هو أخضر، في تعبير واضح عن الخصوبة والنماء. الخس، الكابوتشي، والليمون، جميعها عناصر ارتبطت بالعيد، سواء كجزء من الوجبة أو كرمز بصري للحياة المتجددة.

وفي الأسواق الشعبية، تتحول هذه الخضروات إلى مشهد لوني لافت، حيث تتراص الحزم الخضراء في انتظار المشترين، وكأنها تحاول أن تحافظ على طقوس قديمة رغم تغير الظروف.

 

سوق السيدة زينب حركة هادئة قبل العيد

في سوق السيدة زينب الذي يُعرف عادةً بحيويته وزحامه، يبدو المشهد مختلفًا مع اقتراب شم النسيم هذا العام. فبدلًا من التدافع المعتاد قبل المواسم، تسود حالة من الهدوء النسبي، حيث تتحرك قلة من المتسوقين بين البسطات.

الخضروات متوفرة بكثرة، والبائعون يعرضون بضاعتهم بشكل لافت، لكن الإقبال لا يعكس طبيعة الموسم. المشهد العام يوحي بأن السوق ينتظر ذروة لم تأتِ بعد، أو ربما لن تأتي بنفس القوة التي اعتادها.

أسعار على حافة القدرة الشرائية

تشير حركة السوق إلى أن الأسعار تلعب دورًا حاسمًا في هذا الهدوء. فقد وصل سعر حزمة البصل الأخضر إلى نحو 15 جنيهًا، فيما سجل الكابوتشي 20 جنيهًا، وبلغ سعر الليمون حوالي 30 جنيهًا للكيلو.

ورغم أن هذه الأسعار قد تبدو معتدلة مقارنة ببعض السلع الأخرى، فإنها تمثل عبئًا إضافيًا على ميزانيات الأسر، خاصة مع ارتباط شم النسيم بشراء أكثر من صنف في الوقت نفسه، مثل الفسيخ والرنجة والخضروات.

هذا التراكم في التكلفة يدفع كثيرين إلى تقليل الكميات أو الاكتفاء بالحد الأدنى، ما ينعكس مباشرة على حركة البيع داخل السوق.

 

طقوس تتغير.. والفرحة تبحث عن بدائل

 

بين الماضي والحاضر، يبدو أن شم النسيم يمر بمرحلة إعادة تشكيل. فبينما تظل رموزه ثابتة—البصل الأخضر، والخضروات، والخروج إلى الهواء الطلق—تتغير طريقة الاحتفال به تدريجيًا.

في السيدة زينب، حيث تتجذر التقاليد الشعبية، لا يزال العيد حاضرًا، لكن بحذر اقتصادي واضح. العائلات قد تختار الاحتفال في نطاق أضيق، أو الاكتفاء ببعض الرموز بدلًا من الطقوس الكاملة.

ورغم ذلك، يظل شم النسيم قادرًا على الاحتفاظ بجوهره: البساطة، والفرح، والارتباط بالطبيعة. فحتى مع ضعف الإقبال في الأسواق، يبقى العيد فرصة لاستعادة معنى الحياة المتجددة، ولو بأقل الإمكانيات.
 

ما بين التاريخ والسوق.. عيد لا يختفي

ربما تتغير تفاصيل الاحتفال، وربما تتراجع بعض المظاهر، لكن شم النسيم يثبت كل عام أنه أكثر من مجرد مناسبة موسمية. هو ذاكرة ممتدة، وطقس اجتماعي، واحتفال بالحياة نفسها.

وفي أسواق مثل سوق السيدة زينب، يظهر هذا التناقض بوضوح: تاريخ غني بالحيوية، وواقع اقتصادي يفرض إيقاعًا أبطأ. وبين الاثنين، يواصل المصريون الاحتفال بطريقتهم الخاصة، محافظين على ما يستطيعون من طقوس، ومبتكرين ما يناسب ظروفهم.

الجريدة الرسمية