الفن وسنينه
السينما المصرية تكذب ولا تتجمل!
منذ بدايات السينما في العالم، أخذ صناعها على أنفسهم عهدا وعقدا غير مكتوب، بأن تعبر السينما عن الناس.. مشاكلهم ومعاناتهم وشواغلهم وتطلعاتهم.. أحلامهم وطموحاتهم وكل شيء يهمهم، باختصار تكون مرآة للناس وللمجتمع، تفكر في وضع حلول لمشاكل عوام الناس قدرالإمكان، وإن كانت في الحقيقة غير مطالبة بذلك..
فهي تطرح المشكلة والقضية التي تشغل غالبية الناس وتفجرها في المقام الأول بكل شفافية وموضوعية وتجرد، بطريقة سينمائية مشوقة وجذابة، مستخدمة كافة عناصرها وإمكاناتها الفنية والتقنية.
تاريخ ونجوم
نجحت السينما العالمية ومازالت بدرجة كبيرة في لعب هذا الدور على مدار تاريخها، وكذلك لم تكن نظيرتها المصرية ببعيدة عن هذا التوجه فقدمت عشرات الأفلام المهمة في عصورها الذهبية، أثرت من خلالها في الناس أيما تأثير، وانتصرت لهم في مواجهة السلطة والفساد والأوضاع غير الطبيعية وعبرت عنهم بقوة ووضوح..
والأمثلة على ذلك كثيرة جدًا، بداية من أفلام علي الكسار على بساطتها وسذاجتها، ونجيب الريحاني ثم يوسف وهبي وحسين صدقي وفريد شوقي وعماد حمدي وشكري سرحان وفاتن حمامة وماجدة وشادية وسعاد حسني وغيرهم، حتى آخر الأجيال الفنية الحقيقية، جيل نور الشريف وعادل إمام ومحمود ياسين وأحمد زكي ومحمود عبد العزيز ونبيلة عبيد، ثم جيل يسرا وليلى علوي وإلهام شاهين..
والمخرجين عاطف الطيب ومحمد خان وسمير سيف وداوود عبد السيد وخيري بشارة فشريف عرفة، والمؤلفون وحيد حامد وبشير الديك ومحمود أبو زيد..
فبعد هذا الجيل تراجع تماما اهتمام السينما بمشاكل الناس، وكاد أن يختفي بفعل حدوث طوفان أفلام الكوميديا وظهور جيل محمد هنيدي وعلاء ولي الدين ومحمد سعد من المضحكين الجدد، وسيطرتهم على السينما منذ أواخر القرن الماضي حتى وقت قريب، والذين قدموا أفلاما في معظمها لا تحمل مضمونًا هادفا وهمها الإضحاك فقط.
كذلك انتشرت في السنوات الأخيرة موجة من أفلام الجريمة والعنف والإثارة الرخيصة التي هاجسها الأول والأخير الربح المادي فقط! اللهم إلا من بعض المحاولات السينمائية الجادة القليلة جدا على فترات وعلى استحياء لا تسمن ولا تغني من جوع.
أفلام وإيرادات خادعة
للأسف لم يقدم حتى الآن جيل النجوم كريم عبد العزيز وأحمد السقا وأحمد عز الذي تصدر المشهد السينمائي بعد جيل المضحكين الجدد، الأعمال المنتظرة منه، التي تتحدث عن الناس ومشاكلهم وتعبر عن آمالهم وطموحاتهم وتستكمل مشوار الأجيال السابقة عليهم..
فكانت الغالبية العظمي من أفلامهم بعيدة كل البعد عن عامة الناس رغم حصد عدد من هذه الأفلام لإيرادات كبيرة وقياسية في شباك التذاكر! مثل سلسلة ولاد رزق، الفيل الأزرق، بيت الروبي، العنكبوت، المشروع، أحمد وأحمد وغيرها.
كذلك هذا ما ينطبق على معظم أفلام النجوم الشباب الجدد،هشام ماجد وإن كان هو أفضلهم وأكثرهم حرصا على التميز قدر الإمكان، وأحمد فهمي وشيكو وأكرم حسني ونور النبوي وعصام عمر وطه دسوقي وغيرهم. أفلام يحكمها المنتج والموزع التاجر الذي لا هم له سوى المكسب المادي فقط، ولا يفكر في ما ينفع الناس ويفيدهم!.
لا رسالة ولا هدف
إحقاقا للحق أرى أن نجوم الجيل الحالي ليسوا مسئولين وحدهم عن هذا الوضع غير المقبول للسينما المصرية، لأنهم جيل لا يحمل رسالة الفن الحقيقية ولا يدركها، ولا لديه الرؤية الواضحة الواعية المستنيرة، جيل يفتقد الثقافة الحقة المهمة والمطلوبة جدا لكل فنان، وهذه للأسف آفة كل الأجيال الأخيرة.
هذا فضلا عن ندرة المؤلف الموهوب المثقف صاحب القضية الراغب في إحداث تغيير في المجتمع، وكذلك المخرج المؤمن بدور الفن ورسالته الحقة في المجتمع، والمنتج الفنان الواعي الذي ليس كل همه مغازلة الشباك وتحقيق أعلى الإيرادات بأي وسيلة مهما كانت بعيدة عن الفن الذي يحتاجه الناس.
ورغم كل ذلك كانت ومازالت هناك تجارب سينمائية لا بأس بها، حاولت أن تغرد خارج السرب، منها على سبيل المثال: واحد من الناس، ولاد العم، كيرة والجن، ملاكي إسكندرية، الرهينة، مسجون ترانزيت، المصلحة، الخلية، مافيا، الجزيرة، تيتو، أهل الكهف، الكاهن، 122.
ليست ضبابية
رغم كل ما تقدم والذي يوحي بأن الصورة تبدو قاتمة وضبابية فيما يتعلق بعودة السينما المصرية إلى سابق عهدها في الانحياز للناس، والتعبير عن مشاكلهم وتطلعاتهم ومعاناتهم في ظل تردي الأوضاع على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية بصورة غير مسبوقة، فإن الأمل مازال قائمًا في استيقاظ السينمائيين من غفوتهم التي طالت، وأبعدتهم عن الناس وجعلتهم يقدمون في الغالب الأعم أفلام تكذب على الناس ولا تعكس لهم واقعهم ومشاكلهم بشكل حقيقي، ولا تحاول حتى أن تتجمل من قسوة ما تقدمه وتصدره وهو بعيد تماما عن هذا الواقع.
وكذلك الأمل مازال معقودا على ظهور جيل جديد واع ومثقف عاشق للسينما ومؤمن بأهمية وحيوية دورها ورسالتها في المجتمع، يستشعر هموم الناس ويتصدى للتعبير عنها، شعاره السينما واحد من الناس، وهو الشعار الذي رفعه صناع السينما واضطلعوا به في فترات كثيرة من تاريخ الفن!
