حسابات القوة ومخاطر المواجهة البرية مع إيران
تتجه الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران لمرحلة أعلى من التصعيد، لاسيما مع انتهاء المهلة التي منحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للجانب الإيراني لرفع الإغلاق عن مضيق هرمز وتصاعد الحديث عن عملية برية محدودة أو موسعة.
ومع تصاعد التقديرات التي تشير لانتقال عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين للشرق الأوسط، يبرز تساؤل مهم: إلى أي مدى لمثل هذه العملية المزعومة أن تحقق أهدافها دون أن تنزلق المنطقة لصراع واسع النطاق؟
ورغم أن هذه التقديرات تعكس واقع حال الوجود الأمريكي في المنطقة، بما في ذلك وحدات الدعم اللوجستي والقوات البحرية والبرية، فإن الجزء القادر فعليًا على خوض عمليات برية عالية الكثافة يبقى محدودًا نسبيًا.
وربما يكون هذا الحجم من القوات مناسبًا لتنفيذ عمليات محدودة تستهدف نقاطًا استراتيجية بعينها، مثل بعض العقد البحرية أو الجزر الحيوية في الخليج، لكن توسيع نطاق العمليات ليشمل مواجهة برية واسعة مع إيران يحمل تعقيدات أكبر بكثير؛ إذ تختلف الحالة الإيرانية تختلف جوهريا عن البيئات العسكرية التي خاضت الولايات المتحدة فيها عمليات برية بالشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة.
ففي العراق بعد عام 2003 أو في سوريا خلال سنوات الحرب الأهلية، كانت مؤسسات الدولة المركزية قد تعرضت لقدر كبير من التفكك أو الضعف. أما في الحالة الإيرانية، فإن الدولة ما تزال تحتفظ بهيكل سياسي وعسكري متماسك وقيادة مركزية واضحة.
ولعل في هذا الفارق ما يجعل أي مواجهة عسكرية محتملة أكثر تعقيدًا وخطورة، إذ لن تكون مواجهة مع جماعات مسلحة متفرقة، بل مع منظومة دولة تمتلك مؤسسات عسكرية وأمنية منظمة وخبرة طويلة في إدارة الصراعات غير المتكافئة.
بالطبع، لا يمكن إنكار أن إيران تواجه في الوقت الراهن تحديات داخلية وضغوطًا سياسية وعسكرية، بما في ذلك الخسائر التي ضربت الصفوف القيادية للنظام الحاكم، وتصاعد النقاش الداخلي حول كلفة المواجهة، لكن هذه التحديات لا تعني بالضرورة انهيار القدرة القتالية للدولة.
فعلى الرغم من هذه الضغوط، ما تزال لدى طهران عناصر قوة متعددة، من بينها شبكة مؤسسات عسكرية واسعة، وقدرات تعبئة بشرية كبيرة، ونفوذ إقليمي يمتد عبر حلفاء ووكلاء في أكثر من ساحة.
بجانب ذلك، يلعب العامل الأيديولوجي والديني دورا هاما في تعزيز الاستراتيجية الدفاعية الإيرانية، حيث يتم توظيفه في تعبئة المقاتلين والداعمين. ففي حال وقوع مواجهة مباشرة، يمكن أن تتحول هذه الأيديولوجيا إلى أداة تعبئة واسعة، سواء داخل إيران أو في محيطها الإقليمي، وقد يحول هذا العامل ساحة القتال إلى صراع غير متكافئ عالي الكثافة، حيث تلعب الحماسة العقائدية والرغبة في الرد دورًا مهمًا في إطالة أمد القتال ورفع كلفته على الطرفين.
هناك أيضا، التفاوت العددي الذي يبرز كتحدٍ كبير أمام أي عملية برية أمريكية داخل الأراضي الإيرانية، إذ يمكن للجانب الإيراني، وبحكم عوامل عديدة من بينها العامل الأيديولوجي حشد أعداد كبيرة من القوات النظامية وغير النظامية، بينما تعتمد الولايات المتحدة غالبًا على قوات استكشافية محدودة العدد لكنها عالية التدريب والتسليح.
وفي مثل هذه السيناريوهات، تصبح القدرة على الحفاظ على خطوط الإمداد والاستدامة اللوجستية عنصرًا حاسمًا، فالحروب التي يتم خوضها خارج الحدود تتطلب منظومات دعم معقدة، وقد تتحول حرب الاستنزاف الطويلة إلى تحدٍ استراتيجي حتى لأقوى الجيوش.
رغم ذلك، لا يمكن تجاهل دور التكنولوجيا الجديدة وتغير طبيعة الحرب، وخاصة في مجال الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة والذخائر الجوالة الأمر الذي أضاف بُعدًا جديدًا إلى الحروب الحديثة.
وقد أظهرت العديد من النزاعات الأخيرة كيف يمكن لهذه الأنظمة أن تلعب دورًا حاسمًا في استنزاف القوات المدرعة وإرباك العمليات العسكرية التقليدية. بل إنه إذا ما انتقلت هذه الخبرات والتقنيات إلى ساحة صراع محتملة في الشرق الأوسط، فإنها قد تضاعف من تعقيد العمليات البرية وترفع من كلفتها البشرية والمادية.
في ضوء ما سبق، فإن أي مواجهة برية مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران لن تكون مجرد عملية عسكرية محدودة، بل مغامرة استراتيجية محفوفة بمخاطر إنسانية وجيوسياسية كبيرة. فالولايات المتحدة تمتلك بلا شك تفوقًا تقنيًا وعسكريًا واضحًا، لكن مواجهة جيش دولة يقاتل على أرضه وبدوافع أيديولوجية قد تؤدي إلى مستويات مرتفعة من الخسائر والاستنزاف لدى الطرفين.
ولعل فيما سبق ما يبرر الضغوط التي تتحملها المؤسسة العسكرية الأمريكية والارتباك الواضح بين المكون السياسي بقيادة الرئيس دونالد ترامب ووزير الدفاع بيت هيغسيث، والذي عكسته إقالة عدد من كبار الجنرالات في الجيش الأمريكي على رأسهم رئيس الأركان.
في المحصلة، تشير المعطيات العسكرية والسياسية إلى أن أي مواجهة برية محتملة مع إيران لن تكون عملية خاطفة أو منخفضة الكلفة، بل صراعًا معقدًا قد يفتح أبواب المنطقة على مرحلة طويلة من عدم الاستقرار.
فبين التفوق التكنولوجي الأمريكي وعوامل الصمود الإيرانية، تبدو كفة المخاطر أعلى بكثير من كفة المكاسب المحتملة، ومن ثم، يبقى تجنب الانزلاق إلى المواجهة المباشرة والبحث عن مسارات لاحتواء التصعيد خيارًا أكثر عقلانية، ليس فقط لحماية استقرار الشرق الأوسط، بل أيضًا لتفادي أزمة دولية قد تتجاوز تداعياتها حدود الإقليم.

