رئيس التحرير
عصام كامل

ذكرى نشأة حزب البعث، مشروع الوحدة العربية الذي انتهى إلى انقسام مدمر

حافظ وبشار الاسد،
حافظ وبشار الاسد، فيتو
18 حجم الخط

في عام 1947، أُعلن في دمشق عن تأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي، في لحظة إقليمية مشحونة بأسئلة الهوية والاستقلال بعد نهاية الانتدابات الأوروبية. الحدث لم يكن مجرد تأسيس حزب جديد، بل محاولة لصياغة مشروع سياسي عابر للحدود. هنا يبرز السؤال: لماذا ظهر البعث في هذا التوقيت؟ وما الذي سعى إلى تغييره في بنية العالم العربي؟

تأسيس البعث.. ما بعد الانتداب وبحث عن هوية

جاء تأسيس الحزب في مرحلة انتقالية أعقبت الحرب العالمية الثانية، حيث بدأت دول عربية تنال استقلالها الشكلي، بينما ظلت التأثيرات الأجنبية حاضرة في القرار السياسي والاقتصادي. في هذا السياق، برزت أفكار القومية العربية كإطار جامع يتجاوز الحدود التي رسمتها اتفاقيات دولية مثل سايكس–بيكو.

قاد تأسيس الحزب كل من ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، اللذين طرحا رؤية تقوم على ثلاثية: الوحدة، الحرية، الاشتراكية. هذه المبادئ لم تكن شعارات مجردة، بل محاولة لإعادة تعريف الدولة العربية ككيان موحّد قادر على مواجهة النفوذ الخارجي وتحقيق تنمية مستقلة.

من الفكرة إلى السلطة.. التحول الحاسم

خلال سنواته الأولى، ظل الحزب إطارًا فكريًا وتنظيميًا محدود التأثير، لكنه بدأ في التمدد داخل قطاعات من الجيش والطبقة المتعلمة. التحول الحقيقي جاء مع سلسلة الانقلابات العسكرية في المنطقة، خاصة في سوريا والعراق، حيث وصل البعث إلى السلطة في ستينيات القرن العشرين.

هذا الوصول غيّر طبيعة الحزب من حركة أيديولوجية إلى قوة حاكمة، ما أدخله في تحديات إدارة الدولة، وخلق تناقضات بين شعاراته الوحدوية والواقع السياسي القائم. تقارير ودراسات سياسية لاحقة أشارت إلى أن تجربة الحكم كشفت صعوبات تطبيق مشروع الوحدة العربية، خاصة في ظل الصراعات الداخلية والانقسامات الحزبية، التي بلغت ذروتها بانقسام البعث إلى جناحين سوري وعراقي.

ما بعد التأسيس.. أثر ممتد وجدالات مستمرة

رغم التحولات والانقسامات، ظل حزب البعث أحد أكثر التجارب السياسية تأثيرًا في التاريخ العربي الحديث. فقد ساهم في تشكيل أنظمة حكم، وإعادة صياغة الخطاب القومي، وطرح نموذج لدور الدولة في الاقتصاد والمجتمع.

لكن في المقابل، ارتبط اسمه أيضًا بانتقادات تتعلق بطبيعة الأنظمة التي حكم باسمه، ومدى التزامها بالمبادئ التي تأسس عليها. هذا التباين بين الفكرة والتطبيق أبقى تجربة البعث محل جدل مستمر في الأوساط الأكاديمية والسياسية.


هكذا، لم يكن تأسيس حزب البعث في دمشق عام 1947 مجرد لحظة تنظيمية، بل بداية مشروع سياسي حاول إعادة رسم خريطة العالم العربي، بين طموح الوحدة وتعقيدات الواقع.

الجريدة الرسمية