رئيس التحرير
عصام كامل

وثيقة أوديد ينون لتفتيت العالم العربي

18 حجم الخط

في زحام الأخبار اليومية، وسط ضجيج الحرب والتصريحات المتلاحقة، نكاد ننسى أن ما نراه اليوم لم يولد فجأة، ولم يكن وليد لحظة، هناك دائما أفكار تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى وقائع على الأرض بسنوات، وربما بعقود.

 

عام 1982  شهد ميلاد وثيقة سياسية شديدة الخطورة، كتبها المحلل الاستراتيجي بوزارة الخارجية الإسرائيلية أوديد ينون تحت عنوان: استراتيجية لإسرائيل في الثمانينيات. واليوم ونحن في عام 2026 نرى أن هذه الوثيقة بمثابة المخطط الأولي لما نعيشه الآن من حرائق إقليمية كبرى.. 

 

الفلسفة الجوهرية لخطة ينون لا تقوم على هزيمة الجيوش التقليدية فحسب، بل على استراتيجية أعمق وأكثر خبثًا، وهي  تفتيت الدول المركزية وتحويل الشرق الأوسط من دول وطنية قوية إلى كانتونات طائفية وعرقية متناحرة، مما يضمن لإسرائيل أن تظل القوة الوحيدة المتماسكة والمهيمنة وسط بحر من الكيانات المجهرية المشغولة بذبح بعضها البعض.

 

وحين ننظر إلى المشهد الإيراني اليوم، وسط التوترات والحرب التي تشتعل في الإقليم، نجد أنفسنا أمام نموذج يكاد يطابق هذا التصور، القضية لم تعد فقط برنامجا نوويا أو صراع نفوذ، بل ما يبدو كدفع دولة بحجم إيران إلى حافة التشظي الداخلي. 

 

الحديث لم يعد عن صراع بين دول، بل عن احتمالات انفجار داخل الدولة نفسها، عبر خطوط قومية ومذهبية ممتدة، وهنا تتحول الحرب من مواجهة خارجية إلى عملية إنهاك داخلي طويل، وهو أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة مركزية.

 

أما مصر، فتبقى دائما في قلب أي معادلة ليس لأنها الأقوى عسكريا فقط، بل لأنها تمثل فكرة الدولة المستقرة المتماسكة عبر التاريخ،هذا الثبات هو ما يجعلها هدفا دائما لمحاولات الإضعاف، سواء عبر الضغوط الاقتصادية أو محاولات التشكيك في دورها الإقليمي. 

الفكرة هنا ليست إسقاط الدولة، بل إنهاكها، إبعادها عن محيطها، وإبقاؤها منشغلة بذاتها. لأن مصر حين تكون قوية ومتصلة بعمقها العربي، تفسد أي مشروع تفتيتي في المنطقة.

 

وفي الهلال الخصيب، الصورة أوضح من أي تحليل. ما جرى في العراق بعد غزو العراق 2003، وما حدث في سوريا، وصولا إلى الحالة المزمنة في لبنان، كلها أمثلة حية على كيف يمكن لدول كانت يوما ما مركزية ومؤثرة أن تتحول إلى ساحات صراع مفتوح. لم تعد الحدود تعني سيادة، بل خطوط تماس، ولم تعد الدولة لاعبا، بل ساحة يلعب عليها الآخرون.

 

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى الخليج العربي، حيث تتقاطع الثروة مع الهشاشة الجيوسياسية. هنا يصبح الخطر مختلفا، ليس بالضرورة في الانهيار المباشر، بل في احتمالات الاستقطاب والتوترات التي يمكن أن تستغل لإعادة تشكيل الداخل. 

لأن أي خلل في هذه المنطقة لا يهددها وحدها، بل يهدد التوازن العربي كله، خاصة إذا تم فصل المال عن الإنسان، والخليج عن مصر، والشام عن عمقه.

 

في النهاية، أخطر ما في هذه الرؤية ليس أنها وضعت قبل أكثر من أربعين عاما، بل أنها ما زالت صالحة للتطبيق حتى اليوم. وهذا في حد ذاته جرس إنذار. لأن المعركة الحقيقية لم تعد فقط على الأرض، بل داخل المجتمعات نفسها: في فكرة المواطنة، في قدرة الدولة على احتواء تنوعها، وفي وعي الناس بما يحاك حولهم.

قد لا نملك رفاهية تغيير خرائط العالم، لكننا نملك ما هو أهم: أن نحافظ على تماسكنا الداخلي. لأن الدول لا تسقط حين تهزم عسكريا فقط، بل حين تتآكل من الداخل. وهنا، يصبح الوعي ليس ترفا فكريا، بل خط الدفاع الأول.. وربما الأخير.

الجريدة الرسمية
عاجل