صبر خليجي استراتيجي يواجه آلة الانتقام الإيرانية
إن استمرار الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، يمثل دليلًا على عدم وضوح بوصلة الأهداف التي يفترض أن توجه صواريخها وطائراتها المسيرة ليس على أراضي دول جارة دائمًا ما كانت ترى أن الاستقرار والسلام هو الذي يحفظ هذه المنطقة المهمة في العالم.
وفي المقابل، لا يزال المشهد داخل النظام السياسي الإيراني غير واضح، من يقوده حتى الآن؟ هل هو الحرس الثوري؟ أم القيادة السياسية؟ أم هناك أطرافًا أخرى مثل المرشد الأعلى الجديد أو غيره؟ بالتالي إن من يقود المشهد بشكل كامل غير واضح لمعظم المتابعين، سواء في الداخل أو الخارج.
ومن هذا المنطلق، تمثل هذه الاستهدافات نوعًا من الاعتداءات غير المبررة نهائيا وغير القانونية والتي لا تستند لأي أساس نهائيًا فيما يخص العلاقات الثنائية بين دول الخليج وإيران، كما أنها غير مبررة في سياق الوضع العام بين إيران والدول المنخرطة معها حاليًا في المواجهة العسكرية، أي الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.
وبلا شك أن هذه الاعتداءات تمثل ضربة قوية للغاية للاستقرار وعملية السلام في المنطقة وأضحت سببًا لمعاناة الكثير والكثير من دول العالم، فيما يخص الوضع مع أمن الطاقة العالمية لا سيما أن أول المتضررين من هذه الاعتداءات هم الشعب الإيراني نفسه، الذي هو ضحية واضحة للتحركات الإيرانية وعدم اتضاح بوصلة أهدافها في المنطقة.
فمسألة الضرر تقع أولًا بسبب النظام الإيراني على الشعب الإيراني نفسه، كما أن موارد إيران وبنيتها التحتية تتلاشى يومًا من بعد يوم بسبب الضربات المكثفة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، وفي الوقت ذاته، تؤثر هذه الضربات على الوضع الاقتصادي في الدول التي دائمًا ما كانت ترفع راية السلام وراية الأمن.
على سبيل المثال الإمارات العربية المتحدة في آخر خمس أو ست سنوات بشكل خاص كانت تمثل سويسرا القرن الواحد والعشرين، فقد كانت سويسرا هي الدولة المحايدة في الحرب العالمية الثانية، أما الإمارات العربية المتحدة تمثل الدولة الأهم والتي تقف على مسافة واحدة من دول عديدة في العالم..
كما في الملف الأوكراني الروسي، كانت ولا تزال الإمارات وجهة لمحاولة حل هذا الملف، إلى جانب ملفات أخرى في المنطقة مثل ملف قطاع غزة وملف لبنان والسودان، وغيرها من الملفات التي كانت الإمارات حاضرة فيها..
فقد كان يطلق عليها هنا في روسيا بأنها سويسرا القرن الواحد والعشرين، ولكن للأسف هذه الضربات المكثفة وغير المبررة من جانب إيران أزالت العديد من عناصر الأمن في المنطقة ككل وتؤدي بها بشكل أو بآخر إلى مواجهة مباشرة.
غير أنه حتى الآن وهذا ليس ضعفًا من الدول الخليجية التي لم ترد على الضربات الصاروخية أو هجمات الطائرات المسيرة الإيرانية حتى وإن كان يضمن القانون الدولي وتضمن كل الأعراف الدولية عملية الرد هذه..
ولكن عدم الرد هنا وصبر يحسدون عليه من أجل أن يكون هناك إمكانية للتوصل لحل ما أو لإيقاف ما يتم حاليًا في هذه المنطقة، وإيقاف معاناة أولًا الشعب الإيراني وثانيًا شعوب المنطقة وثالثًا شعوب العالم التي تعاني بسبب أزمة الطاقة وبسبب إغلاق مضيق هرمز والتوترات الحالية في العالم ككل.
وإن مسألة استهداف إيران للمناطق السكنية والمطارات والمستشفيات ومنشآت الطاقة والكهرباء أمر لا يشكل فارقًا، حتى وإن كانت عملية القصف لهذه المرافق تمثل جرائم دولية ولكن أيًا كان نوع الاستهداف وأيًا كان الهدف فهو واحد، لأن الاعتداء تم بالفعل، وطبقًا للقانون الدولي وللأعراف الدولية هذه جرائم حرب لا سيما أنها استهدفت دولًا لم تشكل أي تهديد لإيران أو نظامها السياسي..
ولكن تستخدم إيران أراضي هذه الدول من أجل الإمساك بورقة ضغط وكسب نقاط قوة من وجهة نظرها على مائدة المفاوضات المستمرة بين الإيرانيين وبين الولايات المتحدة الأمريكية ومن خلفها دولة إسرائيل.
وبما يتعلق بالتداعيات فهي واضحة للجميع، أولها أزمات الطاقة في العالم وزيادة أسعار المحروقات، وبالتالي زيادة كل المنتجات المرتبطة بأسعار الطاقة، فضلًا عن حالة الهلع للمستثمرين، ولحركة الأموال والسياحة، تداعيات كثيرة نتيجة تصرفات إيران التي تنتقم من الحرب عليها من دول أخرى، فإذا كان يتحتم الرد فلتوجه صواريخها بعيدًا عن أراضي الدول الخليجية، وهذا يمكن تفسيره أنها تتهاوى اقتصاديًا وتعمل على شل الاقتصاد في المنطقة.
بالتالي إن إيران تتداعى حتى لو جندت الإعلام لنقل الصورة المغايرة، فقد تضرر الاقتصاد الإيراني بشكل كبير لذلك نجد أن قصفها ليس بطوليًا بقدر ما هو عملية انتقام واضحة المعالم، لذلك ما يحدث اليوم من المؤكد أثر على المنطقة وامتد تأثيره على دول العالم، وتحولت الحرب إلى أزمة دولية، سيخرج الجميع منها سالمًا باستثناء إيران التي لم تدرس خياراتها قبل أن تستهدف جيرانها وتودي بشعبها إلى الهلاك.

