رئيس التحرير
عصام كامل

إيران والتآكل الذاتي للنظام

18 حجم الخط

تبدو إيران اليوم وكأنها تقف على حافة مرحلة سياسية شديدة الحساسية، حيث تتكاثف مؤشرات الصراع داخل بنية الحكم نفسها؛ فخلف صورة الدولة الصلبة التي حاول النظام ترسيخها لعقود، تتكشف تدريجيًا معادلة سلطة معقدة تتنازعها مؤسسات متعددة، تتباين في الرؤية والقرار والأولويات.

 

فالمشهد الإيراني يكشف اليوم عن تصدّع متنامٍ بين مؤسسات الدولة، تجلّى بوضوح في التباين الحاد بين خطاب الحكومة التي يقودها الرئيس مسعود بزشكيان، وبين سلوك المؤسسة العسكرية العقائدية المتمثلة في الحرس الثوري الإيراني.

 

هذا التباين لم يعد مجرد اختلاف في الرؤى، بل تحول إلى مؤشر على أزمة عميقة في مركز القرار، حيث تتعدد السلطات وتتنازع النفوذ داخل الدولة الواحدة.

 

تكشف التطورات الأخيرة عن خلل واضح في بنية الحكم الإيرانية، حيث لم تعد السلطة التنفيذية قادرة على احتكار القرار الاستراتيجي؛ فبينما تحاول الحكومة تقديم نفسها باعتبارها واجهة سياسية تسعى إلى تهدئة التوترات الإقليمية وفتح قنوات تواصل مع دول المنطقة، تظهر الوقائع الميدانية أن القرار الحقيقي في ملفات الأمن والسياسة الإقليمية لا يزال في قبضة الحرس الثوري.

 

هذه الازدواجية بين الخطاب السياسي والتحرك العسكري لا تعكس فقط ارتباكًا داخليًا، بل تقوّض مصداقية الدولة الإيرانية أمام شركائها الإقليميين والدوليين، إذ يصبح من الصعب الوثوق بتعهدات تصدر عن حكومة لا تملك السيطرة الكاملة على أدوات القوة.

 

وفي عمق هذه الأزمة يقف الحرس الثوري بوصفه الدولة الأكثر نفوذًا داخل الدولة؛ فمنذ تأسيسه بعد الثورة الإيرانية، تطور تدريجيًا من قوة لحماية النظام إلى مؤسسة متعددة الأدوار تمتلك نفوذًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا واسعًا؛ فالحرس لا يدير فقط البرامج العسكرية الحساسة، بل يمتلك أيضًا إمبراطورية اقتصادية ضخمة تمتد إلى قطاعات الطاقة والبنية التحتية والاتصالات.

 

التمدد الاقتصادي للحرس الثوري عزّز استقلالية المؤسسة العسكرية عن الحكومة المدنية، وجعل قدرتها على فرض رؤيتها الاستراتيجية أكبر من قدرة السلطة التنفيذية على ضبطها أو توجيهها.

 

لكن الصراع داخل النظام الإيراني لا يدور حول السلطة فقط، بل حول المصالح أيضا؛ ففي الوقت الذي تسعى فيه بعض دوائر الحكم إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية عبر تهدئة التوترات الإقليمية والانفتاح على العالم، يرتبط الحرس الثوري بشبكة اقتصادية واسعة ازدهرت في ظل اقتصاد العقوبات والصراعات الإقليمية. 


ومن هنا يصبح استمرار التوتر بالنسبة لهذه المؤسسة ليس مجرد خيار سياسي، بل جزءًا من معادلة النفوذ والمصالح التي تعزز موقعها داخل النظام، ولهذا يبدو أي مسار للتهدئة محفوفًا بالعقبات طالما ظل ميزان القوة يميل لصالح المؤسسات العسكرية.

 

في ضوء هذه المعطيات، تبدو إيران أمام سيناريو أكثر تعقيدًا من مجرد أزمة سياسية عابرة؛ إنها أزمة بنيوية قد تدفع النظام إلى مسار من التآكل التدريجي، فالدول لا تنهار دائمًا عبر صدمة مفاجئة، بل عبر تراجع بطيء في قدرة مؤسساتها على اتخاذ القرار وإدارة الأزمات.

 

ومع تصاعد التنافس بين مراكز السلطة، وتزايد الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية، واتساع فجوة الثقة بين الدولة والمجتمع، قد تجد طهران نفسها تدريجيا أمام واقع جديد يتسم بضعف متزايد وعزلة إقليمية متنامية.

الجريدة الرسمية
عاجل