رئيس التحرير
عصام كامل

حين يتراجع القرار.. من يحاسب على ارتباك المشهد؟

18 حجم الخط

في الوقت الذي تسعى فيه الدول إلى ترسيخ صورة مستقرة وجاذبة للاستثمار والسياحة، فوجئ الشارع بقرارات متسارعة تخص مواعيد غلق المحال والمطاعم، قبل أن يتم تعديلها بعد أيام قليلة فقط. مشهدٌ لا يعكس مجرد تصحيح مسار، بل يطرح تساؤلات أعمق حول آليات اتخاذ القرار، ومدى جاهزية الدراسات التي تسبقه.


قرار الغلق المبكر عند التاسعة مساءً لم يكن تفصيلًا إداريًا عابرًا، بل مسّ بشكل مباشر قطاعًا يُعد من أهم مصادر الدخل القومي، وهو قطاع السياحة. فالحياة الليلية في المدن السياحية ليست رفاهية، بل جزء أساسي من تجربة السائح، الذي لا يأتي فقط لزيارة المعالم، بل ليعيش نمط الحياة بكل تفاصيله. 

وعندما تُفرض قيود على هذه التجربة دون دراسة كافية، فإن النتيجة الطبيعية هي تراجع في الجاذبية، وربما خسائر لا تُقاس على المدى القصير فقط.


ثم جاء التعديل السريع، باستثناء المطاعم والمقاهي السياحية، ليؤكد أن القرار في صورته الأولى لم يكن مكتمل الأبعاد. وهنا يبرز السؤال الأهم: لماذا لم تُطرح هذه الاستثناءات قبل إصدار القرار؟ ولماذا لم يكن صوت أصحاب المصلحة حاضرًا منذ البداية؟


الأمر لا يتوقف عند حدود قطاع بعينه، بل يمتد إلى توقيت القرار ذاته، الذي تزامن مع أعياد الإخوة المسيحيين (عيد القيامة المجيد)، وهي فترة تشهد ذروة في الحركة الاقتصادية والسياحية، سواء على مستوى السياحة الداخلية أو الوافدة. وهو ما كان يستدعي قدرًا أعلى من الحساسية في التقدير، ودقة في قراءة المشهد قبل اتخاذ أي قرارات قد تؤثر على هذه المواسم الحيوية.

 

إن تكرار مشاهد إصدار القرار ثم تعديله في فترة وجيزة يترك أثرًا لا يمكن تجاهله على ثقة المستثمرين، ويعطي انطباعًا بعدم استقرار السياسات، حتى وإن كانت النوايا تنظيمية في الأساس. فالمستثمر، قبل أن يضخ أمواله، يبحث عن بيئة واضحة ومستقرة، لا تتغير قواعدها بين يوم وآخر.


ما نحتاجه اليوم ليس فقط مراجعة قرار، بل مراجعة منهج. منهج يقوم على دراسة متأنية، وحوار حقيقي مع الأطراف المعنية، وتنسيق فعّال بين الجهات المختلفة. فالدولة التي تستمع جيدًا، تصدر قرارات أقل، لكنها أكثر دقة وتأثيرًا.

ليست المشكلة في التراجع عن القرار، بل في الحاجة المتكررة لهذا التراجع. فالإدارة الرشيدة لا تُقاس بسرعة التصحيح فقط، بل بقدرتها على تجنب الخطأ من البداية. وبين القرار والتراجع، تبقى الثقة هي الخاسر الأكبر.. إن لم نحسن ادارة المشهد.

الجريدة الرسمية
عاجل