الطابور الخامس والسادس
الاتهام بالخيانة والعمالة لصالح جهات خارجية.. ازدهر في الخمسة عشر عامًا الأخيرة، وأصبح مصطلح الطابور الخامس هو الأكثر انتشارًا، والغريب أن الاتهام تمركز في الساحة الصحفية، ولم يبرحها إلا في أضيق الحدود، والأغرب.. أن الصحفيين هم الذين يتبادلون هذا الاتهام، فهل بين الصحفيين طابور خامس يعمل لصالح جهات خارجية؟
حتى نكون موضوعيين في الإجابة.. لابد من التفريق بين صحفي وطني معارض.. يعمل من داخل مصر أو خارجها.. وآخر لديه أجندة، ويعمل بتوجيهات من الخارج. والموضوعية هنا تفرضها حالة السيولة في الاتهامات، والخلط بين المعارضة الوطنية والعمالة للخارج.
وزيادة في الموضوعية.. لابد من توضيح معنى طابور خامس ليتمكن القارئ من تحديد من يعارض من منطلق وطني.. ومن يعمل لحساب جهات خارجية، لأننا هنا لن نذكر أسماء، فقط.. نشير إليها.
الطابور الخامس أطلقه الجنرال الإسباني إميليو مولا فيدال أثناء الحرب الأهلية في إسبانيا عام 1936، وكان يشير من خلاله إلى مجموعة من العملاء اعتبرهم طابورًا خامسًا، أو فرقة تضاف إلى أربعة فرق عسكرية تتوجه إلى مدريد للسيطرة عليها، فإذا دخلت الفرق الأربعة مدريد.. تكون الفرقة الخامسة (الطابور الخامس) قد هيأت الأجواء لتسهيل السيطرة على مدريد..
وهنا يؤكد الجنرال الإسباني ضمنيًا أن تجنيد عملاء من داخل أي بلد يسهل مهمة الجيش الذي يرغب في السيطرة على هذا البلد.
هذه هي بداية ظهور مصطلح الطابور الخامس الذي شاع في السنوات الأخيرة، وتلك هي مهمته.
هذا الطابور، أو هؤلاء العملاء يسعون إلى تخريب الجبهة الداخلية بنشر الشائعات، وتشكيك المواطن في حكومته ليفقد الثقة فيها، ثم لفت انتباهه لنماذج أخرى جيدة تحترم المواطن، وعادة ما تكون هذه النماذج هي المحتل.
بهذا التعريف تستطيع معرفة أسباب الدمار الذي لحق بإيران، وكيف تمكنت إسرائيل من اغتيال كل القيادات الإيرانية بداية من قاسم سليماني وانتهاءً بأصغر قيادة في الحرس الثوري، مرورًا بخامنئي والرئيس الإيراني السابق والعديد من قيادات الصف الأول والثاني.
وتستطيع أن تعرف كيف تمكنت إسرائيل من قتل قيادات حماس، وحزب الله، وكيف تسعى إيران لتجنيد طابور خامس في دول الخليج، وكيف تمكنت الكويت وقطر والإمارات والبحرين من ضبط عناصر من هذا الطابور ومحاكمته.
نعود للسؤال.. هل في الصحافة المصرية طابور خامس؟ الإجابة نعم، وطابور سادس أيضًا، أما الطابور الخامس فهو كل من يستقوي على مصر بالخارج، وكل من يمجد أو يساند أو يتفق مع إسرائيل العدو الإستراتيجي للدولة، وكل من يتفق مع وجهة النظر أو المواقف التي تساند إسرائيل من الداخل والخارج.
وهل هناك من يتفق مع إسرائيل من الصحفيين المصريين؟ نعم، هناك من يتفق معها، ويروج لمواقفها وعدوانها، ساندوها في عدوانها على غزة، وقالوا إنها تدافع عن نفسها، ولم يهتموا بعدوان إسرائيل على الضفة، ومحاولتها المستمرة سرقة أراضي الفلسطينيين..
الطابور الخامس في مصر برر المقتلة التي نصبتها إسرائيل لأهالي غزة بأن حماس بدأت بالاعتداء، وتجاهلوا مقتلة العدوان في الضفة، وهم أنفسهم من يبررون حرب إسرائيل وأمريكا على إيران، وخلقوا من إيران عدوًا للعرب والمسلمين، وجعلوا من الكيان واحة للسلام.
لم يهتم الطابور الخامس بإدانة مصر قيادة وشعبًا لإبادة غزة، ولم يهتم بإدانة مصر قيادة وشعبًا للحرب على إيران، بل إن بعضًا من هذا الطابور يبالغ في انتقاد الحكومة المصرية وكل مؤسسات الدولة، لكنه لا يجرؤ على انتقاد إسرائيل أو أمريكا.
الأخطر من ذلك.. أن هذا الطابور ذهب إلى أبعد من ذلك، فراح يزايد على موقف مصر من الضربات الإيرانية على دول الخليج، فكما أدانت مصر الحرب على إيران، وحذرت من تداعياتها.. أدانت عدوان إيران على دول الخليج، وذهب رئيس الجمهورية إلى كل دول الخليج أكثر من مرة، ولم يتوقف يومًا عن التواصل معها، ولم تتوقف زيارات ولا اتصالات وزير الخارجية بنطرائه في الخليج..
ومع ذلك لم يتوقف الطابور الخامس عن اتهام مصر بالتقصير تجاه دول الخليج، وتجاهل هؤلاء أن قادة الخليج أنفسهم حذروا ترامب من الحرب على إيران، وطالبوه بعدم الانسياق خلف نتنياهو، وطالما وجهوا الشكر للقيادة المصرية، بل زايدوا أيضًا على قادة الخليج، وواصلوا اتهاماتهم لمصر بالتقصير..
ورأينا من يطالب مصر بإعلان الحرب على إيران دفاعًا عن الخليج، مع أن دول الخليج نفسها لم تعلن الحرب على إيران، وفطنت إلى الفخ المنصوب لها من أمريكا وإسرائيل، وبعض القادة والسياسين والصحفيين من الخليج جاهروا بذلك..
وليس أدل على هذا من تطاول ترامب على الأمير محمد بن سلمان منذ أيام، لأن الأمير رفض جر السعودية إلى فخ المواجهة مع إيران.
الطابور الخامس في الصحافة المصرية أصبح مكشوفًا للجميع، تحركه الرغبة في جمع المال، ولن أبالغ إذا قلت إنه توهم أن مصر ضعيفة بسبب أزمتها الاقتصادية، وأن الدول التي وقفت بجانبها في أزمتها لها سيادة عليها، فراح يزايد وينافق معتقدًا أنه يحتمي بهذه الدول من العقاب، بل إنه يتطاول على مصر، ولا يجرؤ على انتقاد هذه الدول.
العدو الإستراتيجي للطابور الخامس هو الانتماء للوطن، وفراغ خزينته من المال، لذلك تراه مستعدًا لبيع الوطن لمن يدفع أكثر، ورأينا بعضهم أوشك على طلب الثمن مقابل مزايداته.
لذلك.. لابد من مراجعة تمويل كل وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث التي ظهرت مؤخرًا، والتي ستظهر في المرحلة المقبلة، ومراجعة كل ما يكتبه من يعرفهم الجميع بالاسم، ومراجعة حساباتهم في بنوك الداخل والخارج.
هذا هو الطابور الخامس الذي أسس لتعريفه الجنرال الإسباني إميليو مولا فيدال، أما الطابور السادس فهو أقل خطورة، لكن تجاهله ينقله إلى الطابور الخامس، المنتمون له يتلونون بلون المرحلة، ينافقون دون خجل، يقفزون من مركب ليلحقون بآخر، تناسوا ذاكرة الفيسبوك واليوتيوب، نفاقهم مدفوع الثمن، وطالما تغنوا بالوطنية، وكالوا الاتهامات لكل من اتهمهم بالنفاق، وهم الأكثر استخدامًا لمصطلح الطابور الخامس يتهمون به من يشير إلى نفاقهم، أو يسعى لكشفهم.
وخطورة هؤلاء ليست فقط في أنهم مؤهلون للانضمام للطابور الخامس.. لكنها أيضًا في فقدانهم لمصداقيتهم.
