رئيس التحرير
عصام كامل

نافذة على الوعي (7).. الهيكل الصهيوني

18 حجم الخط

الدعوة الصهيونية إلى بناء الهيكل الثالث مكان المسجد الأقصى هي إعادة توظيف أيديولوجي لنصوص ومرويات غير محسومة دينيًا أو مثبتة تاريخيًا.. فالهيكل السليماني المزعوم قد تم تشييده وفق معطيات العهد القديم المدونة بعد قرون من أحداث مروياتها عنه في عهد الملك سليمان بن الملك داود (هما وفق المعتقد اليهودي مجرد مَلِكين إسرائليين وليسا نبيين).

 

وكان ذلك حوالي القرن العاشر قبل الميلاد (نحو 970 - 930 ق.م). وقد استغرق بناؤه حوالي 7 سنوات حسب روايات أسطورية الطابع عديمة الثوثيق التاريخي، لكنه تمَّ تدميره عام (587 ق.م ) على يد الملك البابلي نبوخذ نصر الثاني، وتم معه سَبْي اليهود وحملهم أسرى إلى بابل.

 

وبعد انتصار الملك الفارسي قورش على البابليين قام بإطلاق سراح الأسرى اليهود وسمح لهم بالعودة إلى فلسطين وإعادة بناء الهيكل المزعوم مرة أخرى على يد زروبابل (515 - 516 ق.م). ثم بعد الشغب الذي أثاره اليهود بالقدس قام الإمبراطور الروماني طيطس بتدميره عام 70 ميلادية.

 

وفي عام 135م انتهى الوجود اليهودي من فلسطين تماما، وتم محو أية مظاهر أو آثار للهوية اليهودية بالقدس، وذلك على يد الامبراطور الروماني هادريان الذي أنفذ بصرامة:
- قمع الثورة اليهودية بجيوشه الجرارة (ثورة بار كوخبا)
- تغيير هوية القدس ببناء مدينة (إيليا كابيتولينا) الوثنية، وإقامة معبد وثني للإله جوبيتر على موقع الهيكل المدمر.


- إصدار مرسوم يمنع اليهود من دخول القدس.
- التدمير والتهجير لمدن يهودية عديدة، وذُبح آلاف اليهود، وبيع أعداد كبيرة منهم كعبيد، مما وسع دائرة الشتات اليهودي إلى عدة مناطق كاليمن والجزيرة العربية ومصر والمغرب العربي..

 

ولذلك عندما تسلَّم عمر بن الخطاب مفاتيح بيت المقدس من بطريركها كانت القدس مدينة مبتورة الصلة باليهودية هُويَّةً وديموجرافيًّا.. فإذا كانت قصة الهيكل السليماني الأول والزروبابلي الثاني قد أسدلت ستائر النسيان عليهما عام 70 م ونهائيا عام 135م.

 

فما الذي أعاد حوار الهيكل رقمًا صعبا إلى صدارة أروقة السياسة العالمية والنبوءات الدينية مرة أخرى؟ وهل ثمة مشروعية أو حتمية دينية تستوجب بناء هيكل ثالث؟                        وإذا بدأنا بالتساؤل الثاني فإن فكرة حصر العبادة اليهودية في الهيكل هي مثار نزاعٍ أبدي منذ عصر تأسيس الديانة ثم الدولة.

 

وقد تجذر النزاع وتَكَرَّس عندما انقسمت الدولة إلى دولتين عام 930 ق.م؛ دولة يهوذا بالجنوب، ودولة إسرائيل الشمالية بالسامرة التي يسكنها السامريون (أسباط عشرة تمثل أكثرية اليهود)، هؤلاء السامريون الذين ينكرون صهيون وبيت المقدس وقدسية جبل الهيكل ويكفرون ساكني بيت المقدس من اليهود، ويؤمنون بقدسية جبل (جرزيم) بمدينة نابلس ويستقبلونه في صلواتهم وقرابينهم.

ويتمحور سبب تكفير السامريين ليهود بيت المقدس (سبط يهوذا وبنيامين) في كونهم اتخذوا الهيكل بجبل الهيكل وأنهم آمنوا بتوارةٍ تختلف عن كتاب موسى الأصلي ذي الأسفار الخمسة، إلى جانب سفر يشوع، وذلك بأن أضافوا إليها وزادوا عليها بقية أسفار العهد القديم (39سفرا) وفق قانون العهد القديم العبري.

 

ولم يقتصر الخلاف حول مشروعية الهيكل على الانقسام الجوهري والرئيس بين السامريين ويهود بيت المقدس المبني على النزاع حول مشروعية وقدسية أسفار العهد القديم، التي أضافتها يهود بيت المقدس متضمنة الإشارة إلى الهيكل السليماني الذي تخلو التوراة الأصلية من أية إشارة فيها إلى هيكل للعبادة.

 

إذ إن تيارات يهودية متعددة ترى أن بناء الهيكل يجب أن يكون على يد (المسيح المنتظر) فقط، وليس ضمن مشروع سياسي بشري.. وهذه التيارات العقدية كانت وراء الغياب الطويل لفكرة إعادة بناء
الهيكل الثاني بعد تدميره سنة 70 م وإزالة جميع آثاره ومعها محو الهوية اليهودية من سائر فلسطين عام 135م.

 

فلم يدعُ اليهود عبر قرون طويلة إلى إعادة بنائه نظريا أو عمليًا، بل ساد الاتجاه القائل بأن البناء لا يكون إلا عند مجيء المسيح المنتظر لارتباط البناء بالخلاص الإلهي وليس المبادرة البشرية.. 

وترجع سيادة ذلك الاتجاه إلى أن مَنْ أرسى دعائم مشروعيته الاعتقادية والفلسفية هو الفيلسوف والحاخام اليهودي الكبير موسى بن ميمون (المتوفى بمصر عام 1204م) الذي صاغ مقررات الدين اليهودي في بنود الاعتقاد ومبادئ الإيمان الثلاثة عشر والتي أصبحت تشكل جوهر الاعتقاد الملزم وكذلك صميم فلسفته الدينية.

 

مما يعني أن الدعوة السياسية لبناء الهيكل الثالث لم تكن معروفة في التراث الديني التقليدي وأبجديات المعتقد اليهودي عبر تسعة عشر قرنا من الزمان.. وذلك يقودنا إلى التساؤل الأول حول الأسباب التي دفعت بالدعوة المعاصرة لبناء الهيكل الثالث؟

تعود تلك الأسباب وكذلك بداياتها إلى الصهيونية التي بلورت برنامجها السياسي المعاصر في تأسيس وطن قومي لليهود.

 

وكانت الانطلاقة الفعلية في مؤتمر بازل حيث نجح تيودور هرتزل في الترويج لفكرة استعمار فلسطين وإقامة وطن لليهود هناك، وتبلور ذلك النجاح في عقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل بسويسرا عام 1897 م.

 

وكان من أهم نتائجه إقامة المنظمة الصهيونية العالمية لتنفيذ البرنامج الصهيوني الذي ينص على أن هدف الصهيونية هو إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين يضمنه القانون الدولي العام، وذلك بالوسائل التالية:
- تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين
- تنظيم اليهود وربطهم بالحركة الصهيونية
- اتخاذ السبل والتدابير للحصول على شرعنة عالمية للهدف الصهيوني.
- تشكيل المنظمة الصهيونية العالمية بقيادة تيودور هرتزل
- تشكيل الجهاز التنفيذي (الوكالة اليهودية) لتنفيذ قرارات المؤتمر؛ ومهمتها جمع الأموال في صندوق قومي لشراء الأراضي وإرسال مهاجرين يهود لإقامة مستعمرات في فلسطين.

 

وعندها قفزت فكرة بناء الهيكل الثالث إلى السطح وتم دفعها لتكون رمزا سياسيا ودينيا للسيادة والسلطة والسيطرة.. وكانت نقطة التحول الكبرى في تحوّل الفكرة إلى دعوة، هي حرب يونيو 1967م، بعد سيطرة إسرائيل على القدس الشرقية عندما أصبح جبل الهيكل تحت السيطرة الإسرائيلية عند ذلك ظهرت لأول مرة بشكل واضح الدعوات العملية لإعادة بناء الهيكل التي كان 
أبرز الداعين إليها:
1- شلومو غورين
2- تسفي يهودا كوك.

 

وبالتالي فإن فكرة إعادة بناء الهيكل في صورتها الحالية هي فكرة حديثة نسبيًا قد نشأت في سياق سياسي أكثر منه ديني تقليدي.. وهي فكرة لاتفتقد إلى المشروعية الدينية فحسب وإنما تفتقد كذلك إلى أية نتائج وأدلة أركيولوجية Archaeological Excavation.

تشير إلى أية آثار أو محددات تاريخية لموقع الهيكل المزعوم رغم سنوات وعقود عديدة من عمليات الحفر والتنقيب التي أجرتها سلطات الاحتلال، وذلك لأن بيت المقدس الحالية مدينة مقطوعة الصلة بالهوية اليهودية وذات هوية إسلامية وطابع إسلامي روحي ومعماري إذ قد أقامها المسلمون من جديد بمعالمها الدينية والحضارية على أنقاض مدينة كابتولينا التي شيدها هادريان عام 135م.

الجريدة الرسمية