رئيس التحرير
عصام كامل

كان في عرف أهل قريتي عيبا!

18 حجم الخط

كان في عرف أهل قريتي في القرن الماضي أنه من العيب أن تشتري الخبز من المخبز، ويوصم بالعار من يفعلها بإرادته ودون إجبار، أما من يجبر على شراء الخبز لظروف طارئة؛ فكان يتفنن في إخفاء فعلته عن أهل القرية، حتى لا يتهمه أحد بالجهل أو التخلف.

 

أود أن أشير إلى أن قريتي هوارة عدلان إحدى قرى محافظة الفيوم، تقع على الحدود مع محافظة بني سويف، كان يطلق عليها حتى وقت قريب بلد العلم والإيمان، وقد استمدت قريتي هذا اللقب من انتشار الكتاتيب في كل أحيائها، والكُتَّاب -بضم الكاف- لمن لا يعرفه هو دار لتحفيظ القرآن الكريم وتعليم القراءة والكتابة ومبادئ الحساب.

 وأخرجت القرية مفتي الغلابة الشيخ علي هندي، وأعلم علماء مصر في علم المواريث الشيخ علي شعبان مرجعية دار الإفتاء في مسائل المواريث المعقدة، كما أنجبت قريتي رموز أوقاف الفيوم في منتصف القرن الماضي الشيخ أحمد علي حسن، والشيخ مؤمن عبد المعبود، والشيخ إبراهيم شعيب.

 

وقد تعلمنا في كتاتيب قريتي أن قرارك لا يكون من رأسك حتى يكون طعامك من فأسك، كما تعلمنا أن البيوت التي لا يوقد في أفرانها النار للخبيز هي بيوت الغرباء الذين لا وطن لهم ولا جذور، أو الكسالى الذين يعيشون على صدقات الغير، حتى وإن قدم لهم أهل القرية صدقات من الغلال كانوا يبيعونها ليشتروا خبزهم من المخبز.

وكلما سألنا أهالينا ونحن صغار لماذا هؤلاء لا يطحنون الحبوب ويخبزونها ويفضلون البيع، كان أهالينا يؤكدون لنا في كل مرة أن هؤلاء لم يتذوقوا حلاوة الخبز من عرق الجبين.

لهذا كان أهل قريتي يعتبرون من يشتري خبزه عالة على المجتمع، وأجمعوا على أن شراء الخبز من أمور العيب لأن الرجال لا يأكلون هم وأولادهم إلا ناتج عملهم.

رسالة إلى أبنائنا

كنا ونحن صغار لا نعرف إلا المدرسة والعمل في الحقول، وحتى في إجازة الصيف كنا نقسم يومنا صباحا في الحقل، وعصرا نمارس هواية لعب كرة القدم، أما في المساء فكان بعضنا يعكف على مراجعة ما حفظه من القرآن الكريم، وبعضنا كان يحب قراءة الروايات ودواوين الشعر، وقليلون كانوا مهمومين بالقراءة في السياسة وأحوال البلاد.

لكن كنا جميعا نشتاق إلي التلاوة والأذان بصوت محمد رفعت والفشني والحصري ومصطفي إسماعيل وعبدالباسط، ونطرب لابتهالات النقشبندي، وننتظر حفلات أم كلثوم وعبد الحليم، وفريد، كنا نعيش حياة بسيطة مغلفة بالعلم والعمل وقليل من الترفيه.

الجريدة الرسمية