رئيس التحرير
عصام كامل

في ذكراها، هل كانت مبادرة 2002 آخر فرصة حقيقية لإنهاء الصراع بين العرب وإسرائيل؟

الملك عبد الله بن
الملك عبد الله بن عبد العزيز، فيتو
18 حجم الخط

في مثل هذا اليوم من عام 2002، طرح الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، مبادرة لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي الذي أنهك المنطقة لعقود، لكن ماذا كان الرد؟ 

مبادر الملك عبد الله لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي 

قبل المبادرة، كانت المنطقة تعيش على إيقاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، التي اندلعت عام 2000، ومعها تصاعدت العمليات العسكرية الإسرائيلية داخل الضفة الغربية، وصولًا إلى عملية “السور الواقي” التي اجتاحت مدنًا فلسطينية كبرى.

في ذلك التوقيت، كانت إسرائيل بقيادة أرييل شارون تميل إلى الحسم الأمني، بينما بدت السلطة الفلسطينية في وضع بالغ الضعف، ومحاصرة سياسيًا وعسكريًا. في المقابل، كانت العواصم العربية أمام مأزق مزدوج، غضب شعبي واسع بسبب مشاهد القتل والدمار، مقابل عجز سياسي عن التأثير الفعلي في مسار الأحداث. وهنا بدأت تتبلور الفكرة داخل المملكة العربية السعودية لفرض إطار شامل للتسوية.

كواليس قمة بيروت الشهيرة 

الأجواء داخل القمة العربية في بيروت لم تكن هادئة كما قد يبدو من البيان الختامي، إذ حظيت المبادرة بدعم واضح من دول محورية مثل مصر والأردن، اللتين كانتا ترتبطان بالفعل باتفاقيات سلام مع إسرائيل، ورأتا في المبادرة فرصة لتوسيع هذا المسار ليصبح جماعيًا بدلًا من كونه ثنائيًا.

لكن في المقابل، لم يكن الإجماع العربي خاليًا من التحفظات. بعض الدول، خاصة تلك التي كانت تتبنى خطابًا أكثر تشددًا تجاه إسرائيل، أبدت قلقها من أن تتحول المبادرة إلى غطاء مجاني للتطبيع دون ضمانات حقيقية للانسحاب الكامل. كما طرحت تساؤلات حول بند “التطبيع الشامل”، وهل يمكن تقديمه دفعة واحدة قبل التأكد من تنفيذ إسرائيل لالتزاماتها.

ورغم ذلك، تم تمرير المبادرة بالإجماع، في صيغة تعكس توازنًا دقيقًا بين الطرح السعودي والرؤية الجماعية العربية، لتخرج كأول عرض عربي موحد “الأرض مقابل السلام" ولكن هذه المرة من الجميع.

الرد الإسرائيلي جاء سريعًا، لكنه لم يكن إيجابيًا بالمعنى الكامل. حكومة أرييل شارون رحبت ببعض جوانب المبادرة، خاصة فكرة الاعتراف والتطبيع الجماعي، لكنها رفضت جوهرها المرتبط بالانسحاب الكامل إلى حدود 1967، واعتبرت أن مسألة اللاجئين تمثل تهديدًا ديموغرافيًا لا يمكن القبول به. وعمليًا، تعاملت إسرائيل مع المبادرة باعتبارها “غير قابلة للتطبيق” بصيغتها المطروحة.

أما دوليًا، فقد لاقت المبادرة ترحيبًا واسعًا، خصوصًا من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، اللذين رأيا فيها فرصة لإعادة إحياء عملية السلام، لكنها بقيت دون آلية تنفيذ حقيقية لتنتهي إلى التجاهل التام.

تداعيات تجاهل المبادرة كانت عميقة، وإن جاءت تدريجيًا. مع مرور الوقت، تآكلت فكرة “الحل الشامل” لصالح مسارات جزئية ومنفردة، وبدأت بعض الدول العربية تتجه نحو علاقات مباشرة مع إسرائيل خارج إطار المبادرة، خاصة بعد اتفاقيات التطبيع التي ظهرت لاحقًا.

وفي الداخل الفلسطيني، ساهم غياب أفق سياسي واضح في تعميق الانقسام، بينما عززت إسرائيل من سياسات فرض الأمر الواقع على الأرض، سواء عبر التوسع الاستيطاني أو إعادة رسم خريطة السيطرة.

هكذا، لم تمت المبادرة العربية للسلام، لكنها تحولت إلى ما يشبه “النص المؤجل” في السياسة الإقليمية: حاضر في الخطاب، غائب في الفعل.

الجريدة الرسمية