رئيس التحرير
عصام كامل

الجزر الإيرانية والاماراتية.. محور الصراع

18 حجم الخط

تُعدّ الجزر الإيرانية والإماراتية في الخليج العربي إحدى أكثر النقاط حساسية في المشهد الجيوسياسي الإقليمي، رغم صغر مساحتها وحدودها. فهي تقع في فضاء بحري يربط بين أكبر مناطق إنتاج الطاقة في العالم وبين أسواق الاستهلاك في آسيا وأوروبا وأفريقيا، عبر مضيق هرمز الذي يمثل ممرًا حيويًا لصادرات النفط والغاز. 

في هذا السياق، تصبح هذه الجزر جزءًا من معادلة أوسع تشمل أمن الطاقة، السيادة الوطنية، والمنافسة بين القوى الإقليمية والدولية، بما يجعل من الصعب فصل الجغرافيا عن السياسة أو الاقتصاد عن الأمن.


يمكن، بصورة عامة ومحايدة، التمييز بين ثلاثة مستويات لفهم أهمية هذه الجزر. المستوى الأول هو المستوى الجغرافي- البحري، حيث تسهم الجزر في رسم نطاق البحار الإقليمية للدول المطلة على الخليج، وبالتالي تحديد حدود المياه التي تمارس فيها الدولة حقوقًا سيادية في مجالات الملاحة، واستغلال الموارد، والأمن. 

وجود جزيرة هنا أو هناك لا يعني مجرد يابسة صغيرة، بل يعني في الواقع توسيع مدى المياه الإقليمية والجرف القاري، بما يترتب عليه من حقوق قانونية واقتصادية. وهذا ينطبق على الجزر الخاضعة لسيادة إيران دون نزاع، كما ينطبق على الجزر التي تعدّ محل خلاف بين إيران والإمارات، مثل أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى.


المستوى الثاني هو المستوى الاستراتيجي– الأمني. فالجزر الواقعة قرب مضيق هرمز، سواء كانت محل نزاع أو غير ذلك، تمنح الطرف الذي يسيطر عليها قدرة إضافية على المراقبة والتحكم النسبي في خطوط الملاحة. 

من الناحية العسكرية البحتة، يمكن أن تُستخدم هذه الجزر كنقاط تمركز للرادارات، أو مواقع لمراقبة حركة السفن التجارية والعسكرية، أو حتى كمنصات محتملة لأسلحة دفاعية أو ردعية. لكن في المقابل، تحمل هذه الجزر أيضًا مخاطرة عالية؛ فهي أهداف حساسة في أي توتر أو نزاع محتمل، ويمكن أن تتحول سريعًا إلى نقاط اشتباك أو ضغط متبادل، بما يضر بمصالح جميع الأطراف في حال التصعيد.


أما المستوى الثالث فهو الاقتصادي– الطاقوي. فبعض الجزر في الخليج يرتبط مباشرة بمنشآت حيوية لصادرات النفط والغاز أو بتسهيلات موانئ وخزانات ومرافئ تحميل، ما يجعل استقرارها جزءًا من استقرار سلاسل الإمداد العالمية للطاقة. 

وفي حالات أخرى، يرتبط امتلاك الجزر بالسيطرة على مناطق بحرية ذات موارد محتملة من الهيدروكربونات أو الثروة السمكية. لذلك، من منظور محايد، يمكن القول إن أي اضطراب طويل الأمد في وضع هذه الجزر -سواء عبر صراع مفتوح أو تهديدات متكررة- ستكون له انعكاسات واسعة تتجاوز حدود الدول المعنية مباشرة لتصل إلى الأسواق العالمية.


في ما يتعلق بالولايات المتحدة أو القوى الدولية عمومًا، فإن مقاربتها لهذه الجزر تنطلق من اعتبارات أوسع من فكرة الاحتلال المباشر. الولايات المتحدة، مثل غيرها من القوى الكبرى، تهتم بحرية الملاحة واستمرار تدفق الطاقة واستقرار الحلفاء في المنطقة. لذلك تستند سياستها، في الغالب، إلى الوجود البحري والعسكري في قواعد متفق عليها مع دول الخليج، وإلى التعاون الأمني والاستخباراتي، أكثر من استنادها إلى السيطرة الإقليمية المباشرة على أراضٍ جديدة. 

 

التجارب التاريخية للاحتلال العسكري المباشر أظهرت كلفًا كبيرة وتعقيدات سياسية وقانونية، ما يجعل الخيار المفضل اليوم هو إدارة النفوذ عبر التحالفات والاتفاقيات، لا عبر تغيير الخرائط بالقوة.
من زاوية محايدة، يمكن تخيّل ما قد يترتب لو حدث -افتراضًا- تغيير بالقوة في وضع هذه الجزر، سواء من طرف إقليمي أو دولي. 

في مثل هذا السيناريو، ستتعرض ثقة الأسواق في أمن الملاحة والطاقة إلى هزة قوية، وقد ترتفع مخاطر تعطّل المرور عبر مضيق هرمز، كما سيتزايد احتمال توسّع النزاع ليشمل مناطق وقوى أخرى في الإقليم. 

إضافة إلى ذلك، فإن اللجوء للقوة في نزاع ذي أبعاد قانونية وتاريخية معقدة سيضعف مكانة الآليات السلمية لحل النزاعات، كالمفاوضات المباشرة أو التحكيم الدولي، وقد يغري دولًا أخرى في مناطق مختلفة بتبنّي نهج مماثل لحسم خلافاتها الحدودية.


من هنا يبدو أن الخيار الأقل كلفة، لجميع الأطراف، هو التعامل مع هذه الجزر بوصفها جزءًا من منظومة أمن الخليج ككل، لا بوصفها غنيمة لطرف دون آخر. الحياد في القراءة يقود إلى نتيجة بسيطة: أن مصلحة دول المنطقة والمجتمع الدولي تكمن في خفض التوتر حول هذه النقاط الحساسة، ودعم مسارات التسوية القانونية والدبلوماسية، بما يحافظ على سيادة الدول المعنية، ويصون في الوقت ذاته استقرار واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. 

فالجزيرة، مهما بدت صغيرة على الخريطة، يمكن أن تتحول إلى عقدة كبيرة إذا دخلت في حسابات الصراع المفتوح بدلا من أن تُدرج ضمن حسابات الأمن المشترك.

الجريدة الرسمية