جدل بين أعضاء هيئة التدريس بسبب قرارات الأعلى للجامعات عن سوق العمل، أكاديميون: 3 أشهر غير كافية لإصلاح المنظومة التعليمية، وتساؤلات بشأن تجاهل مشكلاتهم
أثارت قرارات المجلس الأعلى للجامعات الأخيرة بشأن ربط البرامج الدراسية باحتياجات سوق العمل نقاشًا واسعًا داخل الأوساط الأكاديمية، خاصة بعد إعلان تشكيل لجنة عليا لإعداد دراسة شاملة لخريطة سوق العمل خلال ثلاثة أشهر، في إطار تنفيذ توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بتطوير منظومة التعليم العالي وربطها بمتطلبات التنمية.
وكان المجلس الأعلى للجامعات، برئاسة الدكتور عبد العزيز قنصوة وزير التعليم العالي والبحث العلمي، قد أعلن مراجعة البرامج والتخصصات الدراسية الحالية وتقييم مدى توافقها مع احتياجات سوق العمل محليًا وإقليميًا ودوليًا، إلى جانب اقتراح استحداث تخصصات جديدة أو إعادة هيكلة بعض البرامج التي لم تعد تلبي احتياجات سوق العمل.
فجوة قديمة بين التعليم وسوق العمل
وتعليقا على ذلك أكد الدكتور محمد كمال أستاذ القيم والأخلاق بـ جامعة القاهرة أن قضية الفجوة بين ما يدرسه الطالب في الجامعة وما يحتاجه سوق العمل ليست جديدة، بل هي مشكلة معروفة داخل الجامعات منذ سنوات طويلة.
وأوضح أن التوجيهات الرئاسية بشأن ربط التعليم بسوق العمل تمثل خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، لكنها تحتاج إلى معالجة علمية متأنية تضمن تحقيق إصلاح حقيقي في منظومة التعليم العالي.
وأضاف أن بعض القرارات السابقة، مثل التوسع في إنشاء كليات أو برامج جديدة في تخصصات تعاني بالفعل من كثرة الخريجين، أثارت تساؤلات حول مدى توافق هذه السياسات مع هدف ربط التعليم بسوق العمل.
تحديات أمام الدراسة المقترحة
من جانبه، أشار الدكتور وائل كامل الأستاذ بجامعة العاصمة إلى أن تشكيل لجنة لإعداد دراسة شاملة لخريطة سوق العمل خطوة إيجابية في حد ذاتها، لكنه يرى أن إنجاز هذه المهمة خلال ثلاثة أشهر فقط يمثل تحديًا كبيرًا.
وأوضح أن مراجعة البرامج الدراسية في عشرات الجامعات ومئات الكليات والأقسام، وتحليل مؤشرات توظيف الخريجين، ودراسة احتياجات سوق العمل محليًا وإقليميًا ودوليًا، تتطلب دراسات ميدانية وبيانات دقيقة وتعاونًا واسعًا مع قطاعات الصناعة والاقتصاد.
وأضاف أن إنجاز هذه المهمة في فترة زمنية قصيرة قد يؤدي إلى نتائج سريعة لكنها قد لا تكون كافية لإحداث إصلاح جذري ومستدام في منظومة التعليم الجامعي.
المشكلة أعمق من دمج التخصصات
ويرى كامل وكمال، أن الحديث عن دمج بعض التخصصات أو إعادة هيكلتها لا يمثل جوهر المشكلة، إذ إن التحدي الحقيقي يكمن في طبيعة المناهج الدراسية وأساليب التدريس.
فبحسب الدكتور محمد كمال، تعتمد كثير من البرامج الدراسية على محتوى نظري تقليدي لم يتم تحديثه بما يكفي لمواكبة التحولات السريعة في سوق العمل.
وفي السياق نفسه، يؤكد كامل أن تطوير التعليم العالي عالميًا يقوم على تحديث البرامج وربطها بالاقتصاد المعرفي والتكنولوجيا الحديثة، وليس فقط إلغاء بعض التخصصات أو دمجها.
وتشير تقارير صادرة عن UNESCO إلى أن تحديث البرامج الدراسية وربطها بالابتكار والتكنولوجيا يمثل أحد أهم محاور تطوير التعليم العالي في العالم.
قضايا مؤثرة في جودة التعليم
وأشار كامل إلى وجود قضايا أساسية تؤثر في جودة التعليم الجامعي ولم تحظَ بنقاش كافٍ في إطار القرارات الأخيرة.
ومن أبرز هذه القضايا أوضاع أعضاء هيئة التدريس في الجامعات الحكومية، حيث قد تؤثر الضغوط الاقتصادية وضعف الموارد على قدرتهم على التفرغ للتدريس والبحث العلمي.
كما يشير بعض الأكاديميين إلى أن الاعتماد الكبير على الكتاب الجامعي كمصدر رئيسي للدراسة في بعض الكليات قد يؤدي إلى تثبيت المناهج لفترات طويلة دون تحديث كافٍ.
إشكاليات نظام البحث والترقيات
واتفق كامل وكمال أيضًا على أن نظام الترقيات الأكاديمية يمثل أحد التحديات التي تؤثر في تطوير التعليم العالي.
ففي كثير من الحالات يتم تقييم الباحثين وفق عدد الأبحاث المنشورة أكثر من تأثيرها العلمي أو تطبيقاتها العملية، وهو ما أدى إلى زيادة الأبحاث النظرية دون ارتباط كافٍ بقضايا المجتمع أو الاقتصاد.
كما تواجه الأبحاث البينية، التي تجمع بين أكثر من تخصص، صعوبات في التقييم داخل بعض الأقسام العلمية، رغم أن هذا النوع من الأبحاث يمثل أحد الاتجاهات الأساسية في البحث العلمي عالميًا.
دعوات لإصلاح قائم على المشاركة
ويرى كامل وكمال أن إصلاح منظومة التعليم العالي يجب أن يقوم على مشاركة أوسع من الخبراء والمتخصصين، إضافة إلى ممثلين عن قطاعات الصناعة والاقتصاد وسوق العمل.
كما شددا على أهمية الشفافية في عرض الدراسات والمقترحات وفتحها للنقاش العام، باعتبار أن تطوير التعليم العالي قضية مجتمعية تتعلق بمستقبل التنمية والاقتصاد.
إصلاح يتجاوز تعديل اللوائح
وفي ظل التحولات المتسارعة في الاقتصاد العالمي، أكدا أن ربط التعليم الجامعي بسوق العمل لا يمكن أن يتحقق فقط من خلال تعديل اللوائح الدراسية أو دمج بعض التخصصات.
فالإصلاح الحقيقي، بحسب رأيهما، يتطلب تحديث المناهج، وتطوير نظام البحث العلمي، وتعزيز الشراكات بين الجامعات وقطاعات الإنتاج، بما يسهم في إعداد خريجين يمتلكون المهارات والمعارف التي يحتاجها سوق العمل الحديث.




