ردا على تصريحات الرئيس، أستاذ بجامعة العاصمة: المشكلة ليست في التخصصات لكن سوء التخطيط
علق الدكتور وائل كامل، الأستاذ بجامعة العاصمة، على تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن إلغاء التخصصات الجامعية التي لا يحتاجها سوق العمل الفعلي.
وأكد كامل أن الواقع يوضح أن المشكلة ليست في التخصصات نفسها، بل في سوء التخطيط للتعليم كله وتطوير محتوى مناهجه التي وصفها بأنها عفا عليها الزمن أو كانت مستعارة من مجتمعات أخرى لا علاقة لها بمشكلات ومتطلبات مجتمعنا، وندرة الاهتمام بالتخصصات البينية التي تنتج فروع جديدة.
وأوضح أن الجامعات والكليات توسعت لسنوات طويلة، وزادت أعداد الطلاب بها بلا أي خطة واضحة لاستيعاب الخريجين، لافتا إلى أن نتيجة ذلك تمثلت في تخرج الكثير للعمل في وظائف بعيدة عن تخصصاتهم، مثل المبيعات، التسويق، خدمات التوصيل، أو قيادة سيارات عبر تطبيقات النقل، ليس لأن هذه الوظائف مرتبطة بما درسوه، بل لأنها الفرص الوحيدة المتاحة في سوق العمل الحالي.
فشل التخطيط طويل الأمد
وأشار كامل إلى أنه إذا اتبعنا منطق ربط وجود التخصص بسوق العمل المباشر، فسنجد أننا مضطرون لإلغاء تخصصات مثل الهندسة النووية، هندسة البترول، وتصنيع الحواسيب والإلكترونيات، لمجرد أن صناعاتها محدودة حاليًا، بما يعني أننا نخسر القدرة على بناء هذه الصناعات في المستقبل، وهو ما يعكس فشل التخطيط طويل الأمد.
ونبه كامل إلى أن وجود التخصص لا يجب أن يرتبط بالضرورة بفرصة عمل مباشرة، فهناك تخصصات أساسية لبناء المجتمع وفهمه، حتى لو لم يجد لها كل خريج وظيفة محددة على الفور، مثل علم النفس وعلم الاجتماع، لفهم سلوك الإنسان والمجتمع، وتحسين التعليم والعمل والإرشاد النفسي والاجتماعي، والتاريخ والجغرافيا، لحفظ ذاكرة الأمة وفهم البيئة والموارد الطبيعية والتخطيط العمراني والتنمية الإقليمية، والفنون واللغات، لتطوير الثقافة والإبداع، وفتح آفاق التواصل مع العالم، ودعم الصناعات الثقافية والإعلامية، والسياحة، والعلاقات الدولية، والفلسفة، لتنمية التفكير النقدي وتحليل الأفكار وفهم المبادئ الكبرى التي تبني السياسات والقوانين والأخلاق.
التخلي عن الثقافة والمعرفة الأساسية لبناء المجتمع
وأكد أن إلغاء هذه التخصصات لمجرد عدم وجود سوق عمل مباشر اليوم (والتي بعضها تم الغاء سوق عمله عن تعمد) يعني التخلي عن الثقافة والمعرفة الأساسية لبناء مجتمع متوازن وقادر على الابتكار، مشيرا إلى أن هذه التخصصات تبني قدرات طويلة المدى، وتفتح أفقًا لتخصصات وفرص جديدة في المستقبل.
وأضاف أن الجامعات الأهلية التي تم افتتاحها حديثا تكرر نفس التخصصات الموجودة، بنفس المناهج والمحتوى بل بنفس الاساتذة، لكن بمصروفات مرتفعة، بينما التعليم الحكومي يُهمَل بميزانياته الضعيفة، ورواتب الأساتذة المنخفضة، والإمكانيات التعليمية المحدودة، والانشغال بمظاهر شكلية مثل التصنيفات الدولية أو مشاريع تجميلية لا تغير جوهر التعليم.
ونوه كامل إلى أن المشكلة ليست في "تخصص له لازمة” أو "تخصصات ملهاش لازمة"، بل في غياب التخطيط الحقيقي للتعليم وربطه بالاقتصاد والتنمية، مؤكدا أنه بدون هذا التخطيط، سنستمر في إخراج آلاف الخريجين بلا فرص مناسبة، وستظل الجامعات مجرد مصانع شهادات، بينما تخصصات أساسية مثل علم النفس، الاجتماع، التاريخ، الجغرافيا، الفنون، واللغات تهمل رغم أهميتها الكبيرة للمجتمع.




