باحثون عن وظيفة أم صانعو فرص؟!
استوقفني ما قاله العالم الكبير الراحل الدكتور أحمد زويل صاحب نوبل بأن شعب مصر لديه الطاقة البشرية الممتازة، أكثر من 40% من تعدادها شباب، وهؤلاء طاقة رهيبة، كما تمتلك أيضًا موارد وطاقة مادية مخزونة أو مدفونة لكن مفيش توظيف صح ليها، ومن ثم فإن مصر لا تستحق أن يقال إنها تحتاج 50 سنة كي تنهض وتقوم كما ينبغي.
تنظر إلى مصر فتجد عددًا كبيرًا من الشباب يتخرج كل عام، وتجد موقعًا جغرافيًا يتوسط العالم، وتجد تاريخًا طويلًا من الخبرة والحضارة. ومع ذلك تستمر الشكوى من البطالة، وتتباطأ عجلة الإنتاج، ونتحدث دائمًا عن الخروج من عنق الزجاجة.
هنا يبرز السؤال الحقيقي: لماذا لا تتحول المقومات إلى منجز؟ ولماذا تتحرك دول كانت أقل منا مواردًا وظروفًا فتسبق بخطوات واسعة، كما يحدث في كوريا الجنوبية والهند وماليزيا؟
تبدأ الإجابة عندما ننظر إلى طريقة الإدارة. ندير كثيرًا من ملفاتنا بعقلية التعامل مع اليوم بيومه، فنلاحق الأزمات حين تظهر، ونسكن الألم بدل أن نعالج سببه. لا نثبت دائمًا على رؤية طويلة المدى، ولا نربط بين التعليم وسوق العمل ربطًا حقيقيًا.
يخرج الطالب وهو يبحث عن وظيفة حكومية مستقرة، ولا يفكر في أن يصنع فرصة لنفسه ولغيره. تتعقد الإجراءات، وتتداخل الاختصاصات، فيتردد المستثمر، ويتعب الشاب الذي يريد أن يبدأ مشروعًا، ويضيع الوقت في دوامة الموافقات والروتين.
في الوقت نفسه، تستثمر دول أخرى في التعليم النوعي، فتعلم أبناءها مهارات حقيقية يحتاجها السوق، وتدعم البحث العلمي، وتفتح الباب أمام القطاع الخاص ليقود الإنتاج. تربط الجامعة بالمصنع، والمختبر بالشركة، وتضع هدفًا واضحًا ثم تمضي نحوه بثبات. تتحمل كلفة البداية، لكنها تراكم النتائج عامًا بعد عام، فلا تهدم ما بنت، ولا تغير اتجاهها مع كل أزمة عابرة.
جوهر المشكلة عندنا لا يكمن في قلة الإمكانات، بل في ضعف المنظومة التي تجمع هذه الإمكانات في مسار واحد. نملك الشباب، لكننا لا نوفر دائمًا البيئة التي تحتضن أفكارهم. نملك الموارد، لكننا لا نضيف إليها قيمة صناعية كافية.
نملك موقعًا فريدًا، لكننا نكتفي في أحيان كثيرة بدور الممر، ولا نحوله إلى مركز تصنيع وتجارة متكامل. تتحول الطاقة حين تغيب الفرصة إلى إحباط، أو إلى هجرة، بينما يمكن أن تتحول إلى إنتاج وابتكار إذا وجد الشاب عدالة في المنافسة، وتمويلًا منظمًا، وقضاءً سريعًا يحمي الحقوق.
نحتاج أن نعيد ترتيب الأولويات. نطور التعليم ليعلم التفكير والمهارة لا الحفظ فقط، ونربطه باحتياجات الاقتصاد الفعلية. نبسط الإجراءات ونقلل التعقيد الإداري حتى يبدأ المشروع في أيام لا في شهور.
نعزز الشفافية والمساءلة حتى يثق المستثمر والمواطن في القواعد. نمكّن القطاع الخاص المنتج ونشجعه على التصنيع والتصدير، ونستفيد من موقعنا فنحول الممرات البحرية والمناطق اللوجستية إلى منصات صناعة وخدمات تضيف قيمة حقيقية.
عندما نفعل ذلك، لا ننتظر خمسين عامًا. يبدأ التغيير مع قرار واضح وإرادة ثابتة. يتحول الشاب من باحث عن وظيفة إلى صانع فرصة، ويتحول التعليم من شهادة إلى أداة إنتاج، وتتحول الموارد من أرقام في التقارير إلى مصانع وشركات ووظائف.
عندها لا نسأل لماذا تأخرنا، بل نسأل كيف نسرّع الخطى أكثر، لأن الأمة التي تدرك قدرها، وتحسن إدارة طاقتها، تختصر الطريق وتنهض في جيل واحد.
