إلهان عمر.. عضوة الكونجرس المسلمة ذات الأصول الصومالية.. تتحدى عنصرية دونالد ترامب وتتهمه بقتل الأمريكيين.. وتلغي 181 عاما من حظر ارتداء الحجاب
إلهان عمر، نادرة تلك الكلمات التي تعلق بالأذهان؛ وعزيزة تلك الصرخات التي يتردد صداها بطول الكرة الأرضية وعرضها دون التوقف عند عتبات الحدود والقيود؛ وفريدة تلك المواقف الجريئة التي تتحدى جدران الصمت وعتمة التضليل الإعلامي؛ وقليلة تلك المشاهد التي يحلم أبطالها بتحويل "وديان اليأس" إلى "قمم للأمل"، و"نسف جبال الغرور"، ومواجهة الظلم بـ"حكمة العيون النيرة".
بصوت خافت يتحدى الضجيج، قاطعت عضوة الكونجرس الأمريكي المسلمة ذات الأصول الصومالية إلهان عمر خطاب حالة الاتحاد الذي ألقاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمس الثلاثاء قائلة: لقد قتلت الأمريكيين، وعليك أن تشعر بالعار؛ فيما اكتفى ترامب بنظرة متكبرة مبتعدا بوجهه عن النظر إليها، بعدم وصفها يوما ما بـ"القمامة" وأن عليها وعلى "زملائها القمامة العودة من حيث أتوا".
في ستينيات القرن الماضي، قال الأب الروحي للأمريكيين السود مارتن لوثر كينج: لدي حلم؛ لم تكن عضوة الكونجرس الأمريكي البالغة من العمر 44 عاما قد ولدت بعد، لكنها صدقت الحلم، وعاشت تفاصيله منذ اللحظة الأولى التي وطأت قدمها الأراضي الأمريكية كلاجئة في عام 1995.
الحياة في مخيمات اللاجئين
ولدت عمر في العاصمة الصومالية مقديشو، وتوفيت والدتها عندما كان عمرها عامان، وتربت على يد والدها وجدها. ومع اندلاع الحرب الأهلية الصومالية في عام 1991، اضطرت عائلتها للفرار إلى مخيم للاجئين في كينيا.

وقتها كانت عمر طفلة في الثامنة من عمرها، لكن ذاكراتها لن تنس تلك السنوات الأربع التي أمضتها متنقلة في خيام اللاجئين قبل أن تمنحهم الولايات المتحدة حق اللجوء في 1995؛ حيث استقروا في ولاية فيرجينيا التي تمتلك تاريخا طويلا ومعقدا مع العنصرية والفصل العنصري، كونها مركزا رئيسيًا للكونفدرالية وعبودية البشر.
وفي عام 1997، انتقلت عائلة عمر إلى مينيابوليس وسكنت في حي سيدار-ريفرسايد، الذي يقطنه العديد من المهاجرين الصوماليين. وهناك التحقت عمر بمدرسة توماس إديسون الثانوية ورافقت جدها كمترجمة حتى يتمكن من المشاركة في السياسة المحلية. وأصبحت عمر مواطنة أمريكية في سن الـ17 عاما سنة 2000.
في مذكراتها "هكذا تبدو أمريكا"، تصف عمر مسيرتها للوصول إلى مجلس النواب الأمريكي بأنها كانت "صعبة ومؤلمة".
تحدت عمر الصور النمطية للسود واللاجئين
وبحسب ما حكته عمر في مذكراتها، فقد وصلت إلى الولايات المتحدة في الثانية عشرة من عمرها، وكانت معدمة لا تتحدث إلا الصومالية، وفاتتها سنوات من التعليم، لكنها صممت على "تحقيق حلمها الأمريكي" في مواجهة التحديات الكثيرة التي واجهتها كمهاجرة ولاجئة، وتحدت الصور النمطية للسود واللاجئين.
وفي أقل من عقدين، أصبحت عمر التي بدأت حياتها العملية كأخصائية تغذية في وزارة التغذية بمينيسوتا، ناشطة شعبية، وانتخبت لعضوية الكونجرس بنسبة مشاركة قياسية من سكان مينيسوتا، رافعة شعار "تخطي الحدود" و"إعادة الوضوح الأخلاقي إلى واشنطن العاصمة"؛ هكذا تقول عمر في مذكراتها التي نشرتها عام 2000.
وبحسب تلك المذكرات، عايشت عمر العديد من العواصف السياسية، ومع ذلك حافظت على رقيها، وذكائها، وروحها التي لا تقهر، ووطنيتها، وباتت قصة ملهمة عن بلوغ سن الرشد للاجئ، وقصة متعددة الأبعاد عن آمال وتطلعات وخيبات أمل وإخفاقات ونجاحات وتضحيات وإيمان راسخ بأن لديها "حلم".
عمر أول مشرعة صومالية-أمريكية مسلمة
قبل تسع سنوات قالت عمر في مقابلة أجرتها معها جريدة "ذا جارديان" البريطانية: كل هذه الهويات التي أحملها تمثل عائقا. فأنا أرتدي الحجاب، وهذا يشكل مشكلة، ولكن عندما يتمكن شخص واحد من فعل ذلك، فإنه يتيح للآخرين أن يحلموا أيضا.

وفي عام 2016، حققت حلمها، حيث أصبحت أول مشرعة صومالية-أمريكية مسلمة في الولايات المتحدة؛ إذ ساعد فريق حملتها الانتخابية في زيادة نسبة المشاركة الانتخابية بنسبة 37%. وتم انتخابها لمجلس نواب مينيسوتا التي عاشت بها لمدة 20 عاما، وسجلت حملتها الرائدة في فيلم وثائقي بعنوان "حان وقت إلهان".
وفي كل مرة، كانت عمر قادرة على تحويل حملات التضليل إلى خطوة جديدة على طريق النجاح؛ ففي عام 2019، أدت عمر اليمين في مجلس النواب الأمريكي في 2019 لتصبح أول لاجئة أفريقية عضوا في الكونجرس، وأول امرأة من ذوات البشرة الملونة تمثل مينيسوتا، وواحدة من أول امرأتين مسلمتين أمريكيتين يتم انتخابهما للكونجرس.
كانت عمر جزءا من موجة من المرشحين التقدميين واليساريين، أطلقت عليها وسائل الإعلام لقب "الفرقة"، وأدى انتخابها إلى إلغاء حظر أمريكي قديم يعود إلى نحو 181 عاما على ارتداء غطاء الرأس في المجلس، مما أتاح لها ارتداء الحجاب أثناء أداء واجباتها.
عنصرية ترامب لا تنتهي
وعلى الرغم من محاولات الجمهوريين خارج الولاية استخدام أموال مظلمة لهزيمتها، فازت عمر في ثمانية انتخابات متتالية وخدمت ناخبيها في ثلاث فترات متتالية في الكونجرس؛ ومثلت تلك النجاحات ما يمكن وصفه بـ"لكمات قوية على وجه ودنالد ترامب" الذي اعتاد التنمر عليها، حيث أدلى بتصريحات مضللة عنها، بما في ذلك ادعاءات كاذبة بأن لديها قناعات مؤيدة لتنظيم "القاعدة"، وطالبها –هي وعضوات الفرقة الأخريات- بالعودة إلى بلدانهن الأصلية، وأشار إلى أن ولاءهن للولايات المتحدة مشكوك فيه، ووصفها بأنها "غير وطنية"، رغم أنها ممثلة قانونية ومواطنة أمريكية؛ فيما وصف بلدها الأم الصومال بأنها دولة "قذرة، وكريهة، ومقززة، وتعج بالجريمة، والأسوأ في العالم"، ووصف الصوماليين في مينيسوتا، بمن فيهم عمر، بأنهم "الحثالة الذين يجب أن يعودوا إلى ديارهم".
وقال ترامب: "تبلغ ثروة إلهان عمر أكثر من 30 مليون دولار. قانونيا، لا يمكن تجميع مثل هذه الثروة، براتب سياسي. يجب التحقيق معها بسبب الجرائم المالية والسياسية، ويجب أن يبدأ التحقيق، الآن"، وهي الاتهامات التي علقت عليها عمر قائلة: عندما لا تسير الأمور على ما يرام بالنسبة له.. يبدأ في إثارة التعصب".
وخلال تجمعات ترامب الانتخابية، ترددت ضدها هتافات "أعيدوها إلى بلدها"، مما خلق بيئة عدائية ومقسمة تجسدت في تعرضها لهجوم خلال اجتماع شعبي في يناير 2026؛ حيث رشها أحد عناصر اليمين المتطرف الأمريكي –الموالي لترامب- بالخل، لكنها لم تصب بأذى.
وفي مواجهة عنصرية ترامب، تبقى عمر على ابتسامتها الخافتة وبشرتها السمراء وغطاء رأسها البسيط وصرختها المبحوحة في وجه القاتل حتى تتحول كل وديان اليأس إلى قمم للأمل.
المصادر:
