رئيس التحرير
عصام كامل

بيورن هوكه.. مدرس التاريخ السابق يمجد إرث هتلر عبر بوابة حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف.. ويعزز علاقاته بالنازيين الجدد

الأب الروحي لليمين
الأب الروحي لليمين المتطرف في ألمانيا بيورن هوكه
18 حجم الخط

بيورن هوكه، مدرس التاريخ السابق والأب الروحي لـ"حزب البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف في تورينج، يمتلك عينين نافذتين غائرتين تترك لدى الناظرين انطباعا بأنه يصارع قضايا كبرى تتعلق بالحياة والمصير، أو أنه يفكر في طرق معقدة لقتلهم؛ أو كما وصفهما مقدم البرامج البريطاني الأمريكي الساخر جون أوليفر بـ"عينين نازييتين".

نشأ هوكه، الذي يصفه البعض بأنجح سياسي من أقصى اليمين في ألمانيا منذ الحرب العالمية الثانية، لأسرة من أب كان يعمل معلما في مدرسة للمكفوفين وأما كانت ممرضة؛ وتأثر منذ صغره بقصص عائلته عن جذورهم في بروسيا الشرقية، التي طرد منها أجداده على يد الجيش الأحمر. ووظف هذا الإرث خير توظيف في مسيرته السياسية، حتى اصبح أحد أبرز الأصوات الراديكالية في الحزب الذي يشق طريقه بقوة نحو اعتلاء عرش "أرض الشعراء والمفكرين".

اكتسب هوكه شهرته على الساحة السياسية الألمانية من خلال علاقاته القوية بدوائر النازيين الجدد، وانتخب لعضوية البرلمان الإقليمي في تورينجيا عام 2014، مؤمنا بـ"إرث ألمانيا النازية".

هوكه يشعل رتابة المشهد السياسي الألماني

هوكه، البالغ من العمر 52 عامًا، ليس كغيره من السياسيين الألمان. ففي بلد يميل فيه السياسيون إلى الرتابة كوسيلة وقائية خوفا من سهام النقد، يتخذ هوكه نهجا مختلفا؛ حيث يهاجم أعداء اليمين المتطرف، ويعادي المسلمين والمهاجرين والاتحاد الأوروبي، وينكر التغيرات المناخية، ويستخدم عبارات قاسية مطالبا الألمان بالاختيار بين أن "يكونوا خرافا أو ذئابا"، ما دفع الرئيس السابق للاستخبارات الداخلية الألمانية توماس هالدنفانج لوصفه قائلا: "هوكه ليس متطرفا يمينيا، بل هو التطرف اليميني ذاته".

مهاجمة المسلمين والمهاجرين والاتحاد الأوروبي

على الرغم من أنه ولد في ألمانيا الغربية لعائلة لاجئين من شرق بروسيا، إلا أن هوكه حقق نفوذه الأكبر في شرق ألمانيا، حيث نجح في التعبير عن إحباطات ومخاوف سكان منطقة فقدت الثقة بالمؤسسات بعد خسارة الوظائف والمعاشات وانهيار النظام الشيوعي والشعور بالتمييز من الغرب. ووجه هذه الاستياء نحو المهاجرين وطالبي اللجوء الذي يرى أنهم "يعيشون على حساب دافعي الضرائب".

<span style=
بيورن هوكه مدرس التاريخ السابق والأب الروحي لـ"حزب البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف متحدثا للصحفيين

وبحسب جريدة "دي تسايت" الألمانية، فإن هوكه ربما كتب مقالات باسم مستعار في منشورات يمينية متطرفة؛ وعلى الرغم من نفيه ذلك، إلا أن جهاز الاستخبارات الداخلية الألماني أكد أن الأدلة "تكاد تكون غير قابلة للدحض".

هوكه وحزبه يحققان تقدما لافتا في استطلاعات الرأي

ربما ذهب البعض إلى أن ظاهرة هوكه قد تكون عابرة، لكن عقارب الساعة تسير في الاتجاه المعاكس؛ ففي بلد شديد الوعي بتاريخه، يحقق حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف، تقدما لافتا في أي استطلاعات للرأي؛ ما دفع وسائل إعلام ألمانية تتعامل معه اعتلائه المشهد السياسي باعتباره واقعا، مطالبة القائمين على الحزب –وفي القلب منهم هوكه- بإجابة صريحة على سؤال محدد هو: هل يرفضون أفكار هتلر ومعتقداته الأيدلوجية أم يتبنونها؟ وبدلا من الإجابة الحاسمة، يتعمد هوكه وغيره من قادة الحزب الاحتماء بمظلة الغموض؛ فهم يغازلون الإرث النازي من دون أن يعلنوا التزامهم الصريح بمبادئه؛ والعجيب أن هذا الغموض الاستراتيجي يخلق مزيجا قويا من الاندهاش والاستفزاز لدى المواطن الألماني، وفق جريدة "ذا جارديان" البريطانية.

الاحتماء بإرث هتلر مكانيا وزمانيا

ليس أدل على احتماء هوكه وحزبه بمظلة هتلر، من تلك الخطوة التي أعلنوها مؤخرا حول عقد المؤتمر السنوي للحزب في 4 و5 يوليو 2026 في إرفورت، عاصمة ولاية تورينجن وسط ألمانيا، في رمزية تاريخية ومكانية خاصة؛ فقبل 100 عام، وتحديدا في 3 و4 يوليوم من عام 1926، جمع هتلر -الذي لم يكن قريبا بعد من السلطة- أنصاره في فايمار، التي كانت آنذاك عاصمة الولاية.

تمثال يعبر عن توجهات هوكه النازية
تمثال يعبر عن توجهات هوكه النازية

كان هذا الاجتماع أصغر من تجمعات نورمبرج الشهيرة في ثلاثينيات القرن العشرين، لكنه شكل محطة مهمة للحزب النازي في طريقه إلى السلطة؛ ففي هذا الاجتماع أطلق اسم "شبيبة هتلر" على مريديه؛ وعرضت طقوس نازية مركزية مثل التحية النازية الشهيرة –لأول مرة- أمام الجمهور.

وقتها، كانت تورينجن قد رفعت العقوبات عن الحزب النازي وزعيمه في وقت أبكر من بقية الولايات الألمانية بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في ميونيخ عام 1923. وأصبحت فايمار ملاذا آمنا للحركة وميدانا لاختبار أفكارها.

تسليح التاريخ بشكل قهري

يقول القائمون على حزب "البديل من أجل ألمانيا" اليميني المتطرف إن "الذين يربطون بشكل خطير بين مؤتمر حزب البديل في إرفورت ومؤتمر الحزب النازي في فايمار قبل 100 عام، إنما يهتمون فقط بتسليح التاريخ بشكل قهري"؛ لكن وسائل الإعلام الألمانية -على الجانب الآخر- عبرت عن موجة غضب عارمة من رمزية المكان والزمان.

ووفق التقارير الإعلامية، يعرف حزب "البديل من أجل ألمانيا" ما يفعله على وجه الدقة، ويستحضر المقارنات التاريخية بدلا من تجنبها. فقد كانت تورينجن ملاذا للحركة النازية المبكرة. واليوم تعد معقلا لحزب البديل. ففي انتخابات الولاية عام 2024، تصدر الحزب النتائج في تورينجن للمرة الأولى، رغم أن "الجدار الناري" الذي أقامته الأحزاب الرئيسية أبقاه خارج الائتلاف الألماني الحاكم.

وتشير استطلاعات حديثة إلى حصول الحزب –مدعوما بأبيه الروحي هوكه- على 38% من الأصوات في الولاية، بحسب جريدة "ذا جارديان" البريطانية.

نجاحات سياسية متوقعة لليمين المتطرف بزعامة هوكه

سياسيا، يرى كثيرون أن الحزب قد يحقق اختراقا في المشهد الانتخابي الألماني هذا العام؛ إذ من المقرر إجراء خمس انتخابات على مستوى الولايات الألمانية في 2026، وقد يحقق الحزب أغلبية مطلقة في ولاية ساكسونيا-أنهالت المجاورة لتورينجن، ما يعني دخوله الحكومة في إحدى الولايات الألمانية الست عشرة لأول مرة، بل وربما الحكم منفردا، بما يشمل الإشراف على ملفات مهمة مفوضة للولايات مثل التعليم والشرطة.

وتقول "ذا جارديان": حقق النازيون أول اختراق لهم في تورينجن، وأصبحت فايمار مقر أول حكومة ولاية تعين وزيرا نازيًا عام 1930، أي قبل ثلاث سنوات من تولي هتلر منصب مستشار ألمانيا. وعلى الرغم من أن الحزب لا يتبنى هذا الإرث صراحة، لكنه لا يرفضه بشدة أيضا.

نواة يمينية صلبة لا تكره النازية

وبحسب الجريدة، تعرض هوكه لعقوبة الغرامة مرتين لاستخدامه الشعار النازي "كل شيء من أجل ألمانيا" في تجمعات انتخابية. ورغم تلك العقوبات، لا يبدو أن أنصار الحزب أو ناخبيه المحتملين منزعجون؛ حيث يقف الحزب -حاليا- جنبا إلى جنب في استطلاعات الرأي مع حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم بقيادة المستشار فريدريش ميرتس، كما استخدم أنصار زعيمة الحزب أليس فايدل نسخة معدلة من الشعار، فبدلا من "كل شيء من أجل ألمانيا" يرددون "أليس من أجل ألمانيا".

<span style=
عرض نازي بمشاركة هتلر

وتضيف "ذا جارديان": يتكون ناخبو الحزب من فئتين؛ إحداهما نواة صلبة أيديولوجية لا تكره المقارنات بالنازية وتسعى لتحقيق جماعات المصالح اليمينة، ومجموعة أكبر بدأت مؤخرا في التصويت للحزب بدافع الإحباط من الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والأحزاب التقليدية. وتشمل هذه الفئة الأخيرة كثيرا من العمال وسكان ألمانيا الشرقية السابقة؛ وهي الفئات التي يتقن هوكه العزف على أوتارها.

المصادر:

ذا جارديان

لوموند

هنجريان كونسيرفاتيف

الجريدة الرسمية