رئيس التحرير
عصام كامل

مفتي الجمهورية الدكتور نظير عياد لـ “فيتو”: يجب ترشيد الاستهلاك ونشر ثقافة الاعتدال وإحياء روح التكافل الاجتماعي في رمضان.. الفضاء الرقمي أغوى غير المتخصصين للحديث في الدين

حوار مفتي الجمهورية
حوار مفتي الجمهورية لـ فيتو
18 حجم الخط

الفتوى أمانة علمية لا يجوز أن يتصدى لها إلا من توفرت فيه أدوات الاجتهاد

شيخ الأزهر الشريف هو والدٌ لي وهو أستاذي الذي تتلمذت على يديه

قانون تنظيم الفتوى جاء في إطار حرص الدولة على حماية المجال الديني من الفوضى.. وهذا سر تأخر لائحته التنفيذية

أوصى الشباب بألا يفقدوا الأمل في وطنهم وأقول لهم كونوا أصحاب وعي لا ردود أفعال 


في زمن تتسارع فيه التحولات الثقافية والاجتماعية، وتتشابك فيه الأسئلة الدينية مع واقع شديد التعقيد، تبرز الحاجة إلى خطاب ديني قادر على قراءة المتغيرات دون أن يتنازل عن الثوابت، وقادر على توجيه المجتمع دون أن يقع في أسر الجمود أو فوضى التأويل، وفي هذا السياق يفتح  الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، رئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم، في حوار خاص لـ«فيتو»، مساحات واسعة للتفكير في معنى التدين المعاصر، متوقفًا عند دلالة الصيام في ظل انتشار ثقافة الاستهلاك وتحول الشهر الكريم لدى كثيرين إلى موسم للإنفاق والمظاهر، مؤكدًا أن جوهر الصيام لا ينفصل عن بناء الإنسان القادر على ضبط شهواته، وترسيخ قيم التكافل والانضباط الأخلاقي، وأن الحفاظ على مقاصد العبادة يمثل أحد أهم مفاتيح استعادة المعنى الروحي للدين في الحياة العامة.

ويمتد الحوار إلى دور الفتوى بوصفها إحدى الركائز الأساسية لاستقرار المجتمع وصيانة الوعي العام من الاضطراب والتشوش، حيث يتحدث مفتي الجمهورية عن خطورة الفوضى الإفتائية في عصر المنصات الرقمية، ويشرح أهمية قانون تنظيم الفتوى باعتباره خطوة مفصلية لترشيد المجال الديني وحماية المجتمع من التضليل والتطرف، كما يوضح طبيعة العلاقة المؤسسية مع الأزهر الشريف وفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، ويؤكد أن تطوير أدوات الخطاب الديني لم يعد ترفًا فكريًا بل ضرورة وطنية وثقافية، من خلال تجديد آليات التواصل مع الشباب، وتقديم خطاب يجمع بين أصالة التراث وواقعية العصر، في رؤية فكرية تسعى إلى ترسيخ الوسطية، وتعزيز الاستقرار، وبناء وعي ديني رشيد قادر على التفاعل مع تحديات الواقع دون أن يفقد بوصلته القيمية والأخلاقية… وإلى نص الحوار

 


في البداية ومع حلول شهر رمضان وهو محطة إيمانية تتكرر كل عام، برأيكم، كيف يمكن للمجتمع أن يحافظ على جوهر هذا الشهر بعيدًا عن المظاهر الشكلية والاستهلاك المفرط؟

شهر رمضان، كما نؤكد دائمًا ليس موسمًا للعادات بقدر ما هو مدرسة متجددة لتزكية النفوس وبناء الوعي الأخلاقي والروحي للإنسان والمجتمع، والحفاظ على جوهر هذا الشهر الكريم يقتضي أن نعيد توجيه البوصلة الأخلاقية والإيمانية من الانشغال بالمظاهر إلى تعميق المعاني بهذا الشهر الفضيل، فالصيام لم يشرع لمجرد الامتناع عن الطعام والشراب، وإنما لتحقيق التقوى، وضبط السلوك، وترسيخ قيم الرحمة والمسؤولية والتكافل.


وقد شددت  دار الإفتاء المصرية في أكثر من مناسبة على أن الإفراط في الاستهلاك يتنافى مع مقاصد الصيام، التي تقوم على التخففمن الأعباء وليس التكديس، وعلى الإحساس بحاجات الآخرين وليس الإسراف فيما لا طائل منه، والمجتمع بكل مؤسساته مدعو في هذا الشهر إلى استحضار هذه المعاني عمليًّا، من خلال ترشيد الاستهلاك، ونشر ثقافة الاعتدال، وإحياء روح التكافل الاجتماعي بصورة واعية ومنظمة، بحيث يتحول رمضان إلى فرصة حقيقية لإصلاح السلوك العام، وتعزيز قيم العمل والإنتاج، واحترام الوقت.


كما أن للخطاب الديني والإعلامي دورًا مهمًّا في توجيه الوعي نحو أن جمال رمضان في أثره الأخلاقي والإنساني، وليس في مظاهره الشكلية، وأن أعظم ما يخرج به الإنسان من هذا الشهر هو قلب أصفى، وسلوك أرقى، وشعور أعمق بالمسؤولية تجاه نفسه ووطنه ومجتمعه.

هل ترون أن روح الصيام ما زالت حاضرة في وجدان الناس، أم أن الواقع المعاصر فرض تحديات جديدة على المعنى الروحي للعبادة؟

لا شك أن روح الصيام ما زالت حاضرة في وجدان قطاعات واسعة من الناس، فشهر رمضان يظل مناسبة جامعة تستنهض الإيمان الكامن في القلوب، وتوقظ معاني القرب من الله تعالى، مهما اختلفت الظروف وتبدلت الأحوال، ونلحظ في كل عام مظاهر صادقة للتدين الواعي، من إقبال على الصلاة والقرآن، وحرص على الصدقة وصلة الأرحام، وهي دلالات واضحة على أن المعنى الروحي للعبادة لم يغب، وإنما يواجه اختبارات متجددة.


غير أن الواقع المعاصر، بما يحمله من تسارع في وتيرة الحياة، وهيمنة للنزعة الاستهلاكية، وضغوط إعلامية واقتصادية، قد فرض بالفعل تحديات على استحضار روح الصيام في صورتها الكاملة، وهنا نؤكد أن التحدي الحقيقي ليس في تغير الزمان، وإنما في كيفية تعامل الإنسان معه، فالصيام عبادة قادرة على التكيف مع كل عصر، شريطة أن يُفهم فهمًا صحيحًا، باعتباره عبادة إصلاح وبناء للإنسان، وليس مجرد طقس شكلي أو امتناع عن الأكل والشرب؛ ومن ثم فإن المطلوب اليوم هو تعميق الوعي بمقاصد الصيام، وربط العبادة بالسلوك اليومي والأخلاق العامة، حتى يظل الصيام حاضرًا بروحه في كافة تعاملاتنا اليومية، فإذا نجحنا في تحويل الصيام إلى قوة دافعة لضبط النفس، واحترام القيم، ومواجهة التحديات الأخلاقية المعاصرة، فإننا نكون قد حافظنا على جوهر هذه العبادة، وجعلناها أكثر حضورًا وتأثيرًا في واقع الناس وحياتهم.

 

في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الفتوى في متناول الجميع، كيف تقيمون تأثير هذا الواقع على مكانة الفتوى وضوابطها الشرعية؟


إن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي أحدث تحوُّلات عميقة في طريقة تلقي المعرفة الدينية، وعلى رأسها الفتوى، وهو واقع لا يمكن إنكاره أو التعامل معه بمنطق الرفض المطلق، فالفتوى بطبيعتها خطاب موجه إلى الناس، وكل ما ييسر وصولها إليهم من حيث الأصل أمر محمود، إذا التُزم فيه بالضوابط العلمية والمنهجية، غير أن الإشكال الحقيقي كما نبهنا مرارًا لا يكمن في الوسيلة، وإنما فيمن يتصدر للفتوى، وفي الكيفية التي تقدم بها.


وللأسف، لقد أتاح الفضاء الرقمي المجال لغير المتخصصين، بل ولأنصاف المتعلمين، للحديث في أدق القضايا الشرعية دون علم راسخ أو إدراك لمقاصد الشريعة وسياقات الواقع، وهو ما أدى في بعض الأحيان إلى فوضى إفتائية، وتشويش على وعي الناس، وإضعاف لمكانة الفتوى بوصفها حكمًا شرعيًّا منضبطًا، يقوم على فهم النص، وفقه الواقع، ومراعاة مآلات الأفعال.


ومن هنا أكدت دار الإفتاء أن الفتوى ليست رأيًا شخصيًّا أو موقفًا عابرًا، بل هي أمانة علمية ومسؤولية دينية كبرى، لا يجوز أن يتصدى لها إلا من توفرت فيه أدوات الاجتهاد، وأدرك خطورة الكلمة وأثرها في حياة الأفراد والمجتمعات، لذا كنا حريصين في دار الإفتاء المصرية أن نكون حاضرين بشكل قوي وفاعل في الفضاء الرقمي من خلال كافة منصات التواصل الاجتماعي، وتقديم الفتوى الرشيدة بلغة معاصرة، ومنهج علمي رصين، يوازن بين النص والواقع، ويحمي الناس من الغلو والتسيب معًا.

إلى أي مدى يمكن للفتوى أن تواكب تغيرات العصر دون الإخلال بثوابت الشريعة الإسلامية؟

الفتوى بطبيعتها من أكثر مجالات الفقه قدرة على التفاعل مع الواقع المتغير، شريطة أن تظل منضبطة بثوابت الشريعة ومقاصدها الكلية، وقد قرر علماؤنا منذ القدم أن الأحكام الشرعية منها ما هو ثابت لا يقبل التبديل، كأصول العقائد والعبادات القطعية والقيم الأخلاقية الكبرى، ومنها ما هو متغير يرتبط بالأعراف والمصالح والظروف، وهنا يأتي دور الفتوى باعتبارها تنزيلًا واعيًا للنص على الواقع، وهذا ما تؤكد عليه دار الإفتاء المصرية في منهجها العلمي، القائم على الجمع بين فقه النص وفقه الواقع، دون تعارض أو إفراط.

ومواكبة الفتوى لتغيرات العصر لا تعني بأي حال من الأحوال التنازل عن الثوابت أو تمييع الأحكام، وإنما تعني حسن الفهم، ودقة الاجتهاد، واستحضار مقاصد الشريعة التي جاءت لتحقيق مصالح الناس ورفع الحرج عنهم، فالشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، لا بجمود النصوص، وإنما بمرونة الفهم والاجتهاد المنضبط، وهو ما يجعل الفتوى قادرة على معالجة القضايا المستجدة في مجالات الاقتصاد، والطب، والتكنولوجيا، والعلاقات الاجتماعية، بروح الشريعة لا بعيدًا عنها، والفتوى الرشيدة هي التي تمسك بالخيط الدقيق بين الثبات والتجدد، فتحفظ للدين هيبته، وللحياة توازنها، وللإنسان طمأنينته.

هل ترى أن الفتوى التقليدية قادرة على مجاراة التساؤلات المعقدة للشباب المعاصر، أم هناك حاجة لإعادة صياغة الأدوات والأساليب؟

دعني أؤكد أن الفتوى في أصلها ليست تقليدية أو معاصرة بقدر ما هي علمية ومنهجية، فإذا التزمت بأصولها الراسخة كانت قادرة على مخاطبة كل جيل، غير أن الواقع يفرض علينا أن نقر بأن تساؤلات الشباب المعاصر أكثر تعقيدًا وتداخلًا، بحكم انفتاحهم الواسع على العالم، وتنوع مصادر المعرفة، وتسارع التحولات الفكرية والاجتماعية من حولهم.


ومن ثم فإن الاكتفاء بالأساليب التقليدية في عرض الفتوى، دون تجديد في أدوات الخطاب ووسائل التواصل، قد يجعل الرسالة غير قادرة على الوصول بفاعلية، حتى وإن كان مضمونها صحيحًا من الناحية العلمية، والتجديد المطلوب لا يمس جوهر الفتوى ولا أصولها، وإنما يتعلق باللغة، وآليات العرض، وفهم السياقات النفسية والفكرية التي يعيشها الشباب، فالشاب اليوم لا يطرح سؤالًا فقهيًّا مجردًا، بل يحمل في سؤاله قلقًا وجوديًّا، أو حيرة فكرية، أو صراعًا بين القيم، وهو ما يتطلب من المفتي أن يجمع بين العلم الشرعي الرصين، والقدرة على الفهم العميق للواقع، وحسن التواصل الإنساني.

هل تعتقد أن الخطاب الديني اليوم يحتاج إلى تجديد في الأسلوب، أم في المضمون، أم في كليهما معًا؟

الخطاب الديني في جوهره خطاب هداية وبناء لوعي الإنسان، ومن ثم فإن الحديث عن تجديده ينبغي أن يكون حديثًا دقيقًا ومتزنًا، يفرق بين الثوابت والمتغيرات، ومن هذا المنطلق، نؤكد أن التجديد المطلوب ينصرف بالأساس إلى الأسلوب ووسائل العرض، فالعقيدة، وأصول الأخلاق، والمقاصد الكبرى للشريعة هي ثوابت تمثل جوهر الدين وروحه، ولا يمكن أن تكون محل مراجعة أو تغيير.


وفي الوقت ذاته، فإن هناك حاجة إلى تفعيل المضمون في بُعده المقاصدي والتطبيقي، وذلك بإبراز القيم الكلية للإسلام، مثل الرحمة، والعدل، واحترام الإنسان، والعمل، والتعايش، وربطها بقضايا الحياة المعاصرة، فالإشكال في كثير من الأحيان ليس في مضمون الخطاب ذاته، وإنما في طريقة تقديمه أو في تجزئته وعزله عن مقاصده العامة، ومن هنا فإن التجديد الحقيقي هو تجديد واعٍ ومتوازن، يحافظ على ثوابت الدين، ويطور أدوات الخطاب، ليظل الدين حاضرًا في حياة الناس بوصفه مصدر هداية وبناء، وليس مجرد خطاب تقليدي بعيد عن واقعهم وتساؤلاتهم.

 

بعد مسيرة طويلة في العمل الدعوي، ما أكثر القضايا التي تركت أثرًا إنسانيًّا عميقًا في شخصكم؟

العمل الدعوي بطبيعته، يضع الإنسان في تماس مباشر مع آلام الناس وآمالهم، ومع لحظات الضعف والقوة في آنٍ واحد، ولذلك يصعب اختزال الأثر الإنساني في قضية بعينها دون غيرها، غير أن أكثر ما يترك أثرًا عميقًا في النفس هو القضايا التي تمس الإنسان في كرامته وأمنه النفسي، خاصة حين يأتي أصحابها محملين بالقلق أو اليأس، ويبحثون في الفتوى عن طمأنينة قبل أن يبحثوا عن حكم شرعي.


وقد لمست على مدار السنوات كيف يمكن لكلمة صادقة، أو فتوى منضبطة رحيمة، أن تعيد إنسانًا إلى التوازن، أو تنقذ أسرة من التفكك، أو ترفع عن قلب مثقل شعورًا بالذنب أو الخوف، ومن القضايا التي كان لها أثر بالغ تلك المرتبطة بشؤون الأسرة، لا سيما الخلافات الزوجية، والطلاق، ومصير الأبناء، ففي هذه الملفات يتجلى البعد الإنساني للفتوى بأوضح صوره، إذ لا تكون المسألة نصًّا مجردًا، بل حياة كاملة مهددة بالانكسار أو قابلة للإصلاح، وهنا تدرك أن المفتي لا يتعامل مع أوراق وأسئلة، وإنما مع قلوب، وأن مسؤوليته لا تقف عند بيان الحكم فحسب، بل تمتد إلى السعي في الإصلاح، وحفظ الكيان الأسري، وتحقيق مقاصد الشريعة في الرحمة والاستقرار.

برأيكم هل المجتمع المصري يتعرض لتحديات أخلاقية تهدد القيم الدينية أكثر من أي وقت مضى؟

بالتأكيد، فالمجتمع المصري شأنه شأن سائر المجتمعات، يواجه اليوم تحديات أخلاقية حقيقية ناتجة عن تحولات عالمية متسارعة في القيم وأنماط السلوك ووسائل التأثير، ولا يمكن عزل هذه التحديات عن السياق الدولي المفتوح الذي نعيش فيه، ولكن الحديث عن كون القيم الدينية مهددة على نحو غير مسبوق يحتاج إلى قدر من التوازن والإنصاف، فالقيم الأخلاقية في جوهرها لم تختفِ، لكنها تتعرض لضغوط شديدة ومحاولات تشويش وإرباك وتحتاج إلى إعادة ضبط البوصلة الأخلاقية، خاصة في ظل هيمنة بعض الخطابات الإعلامية والرقمية التي تؤثر بشكل كبير.


والتحديات الأخلاقية اليوم لم تعد صريحة أو مباشرة، بل أصبحت أكثر تعقيدًا، تتسلل عبر مفاهيم مغلوطة، أو نماذج سلوكية تقدم في صورة الحداثة أو الحرية، وهي في حقيقتها تفرغ الإنسان من المعنى والمسؤولية، ولذا علينا العمل على بناء وعي أخلاقي راسخ، يربط القيم الدينية بحياة الناس اليومية، ويُظهر قدرتها على مواكبة العصر دون التفريط في جوهرها. كما أن مسؤولية حماية القيم لا تقع على عاتق المؤسسات الدينية وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تشمل الأسرة، والتعليم، والإعلام، والثقافة العامة، فإذا أحسنَّا التعاون بين هذه الدوائر، وقدمنا القيم الدينية بوصفها مصدرًا للكرامة والاستقرار والإنسانية، فإن المجتمع سيكون أكثر قدرة على تجاوز هذه التحديات، وتحويلها من تهديد إلى فرصة لإعادة ترسيخ منظومة أخلاقية أكثر وعيًا وعمقًا.

ما رؤيتكم لمستقبل الخطاب الديني في مصر والعالم العربي في ظل التحولات الثقافية والاجتماعية؟

مستقبل الخطاب الديني في مصر والعالم العربي مرهون بقدرته على تحقيق معادلة دقيقة بين الثبات والتجدد، وبين الحفاظ على الهوية الدينية والانفتاح الواعي على التحولات الثقافية والاجتماعية المتسارعة، فنحن نعيش مرحلة تاريخية تتغير فيها أنماط التفكير، وتتعدد فيها مصادر التأثير، ولم يعد الخطاب الديني موجهًا إلى مجتمع متجانس في وعيه وتساؤلاته كما كان في السابق، بل إلى فضاء مفتوح تتقاطع فيه الأفكار والرؤى والتجارب الإنسانية المختلفة.


كما أن المستقبل يتطلب خطابًا دينيًّا مؤسسيًّا، يقوم على العمل الجماعي، وتكامل التخصصات، والاستفادة من علوم الاجتماع والنفس والاتصال، بحيث لا يبقى الخطاب حبيس المنابر التقليدية، بل حاضرًا بفاعلية في الفضاء الرقمي والإعلامي، بلغة راقية، وعقلية منفتحة، وروح مسؤولة، وهذا لا يعني تمييع الخطاب أو تفريغه من مضمونه، وإنما يعني تقديمه بوصفه خطاب حياة وبناء، يعالج قضايا الإنسان بعمق، ويستحضر مقاصد الشريعة في الرحمة والعدل والعمران.


وأعتقد أن مصر، بما تمتلكه من مؤسسات دينية عريقة، وعلى رأسها الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية، مؤهلة لأن تكون نموذجًا رائدًا في هذا المسار، من خلال خطاب ديني وسطي، رشيد، يعبر عن روح الإسلام الحقيقية، ويسهم في ترسيخ الاستقرار الفكري والمجتمعي، ليس داخل العالم العربي فحسب، بل على المستوى الإقليمي والدولي.

 

رصدنا كم التقدير الذي يتمتع به فضيلة الإمام الأكبر لدى مفتي الجمهورية... حدِّثنا أكثر عن العلاقة الشخصية مع شيخ الأزهر، وما هي أبرز النصائح التي يوجهها لكم لخدمة الدين؟

فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف هو والدٌ لي وهو أستاذي الذي تتلمذت على يديه ونهلت من علمه وحكمته، فشيخ الأزهر يمثل قامة علمية وفكرية كبيرة، وصاحب تجربة عميقة في خدمة الإسلام والدفاع عن صورته الوسطية في الداخل والخارج، وهو ما يجعل التعامل معه دائمًا مصدر إلهام وتعلُّم، وقد عبرت في أكثر من مناسبة عن تقديري الكبير لشخصه الكريم، ولما يبذله من جهود مخلصة في ترسيخ المنهج الأزهري القائم على الحكمة والانفتاح والانتصار لقيم السلام والتعايش.


وعلى المستوى الإنساني، فإن العلاقة تتسم بروح الأبوة والنصح الصادق، حيث يحرص فضيلته دائمًا على التأكيد أن خدمة الدين لا تنفصل عن خدمة الإنسان، وأن العالِم الحقيقي هو من يجمع بين عمق العلم، وحسن الخلق، واستحضار المصلحة العامة للأوطان والناس، ومن أبرز ما يوصي به فضيلته باستمرار التمسك بالمنهج الوسطي، والتحلي بالصبر وسعة الصدر في التعامل مع الاختلاف، خاصة في القضايا التي تشهد تباينًا في الرؤى والاجتهادات، وهذه التوجيهات تمثل بالنسبة لي منهج عمل، وبوصلة أساسية في تحمل مسؤولية الإفتاء، وخدمة الدين والوطن بما يحقق الصالح العام ويحفظ استقرار المجتمع ووحدته.

 

ما الجديد في قانون تنظيم الفتوى؟ ولماذا لم تخرج اللائحة التنفيذية إلى النور حتى الآن؟

قانون تنظيم الفتوى جاء في إطار حرص الدولة على حماية المجال الديني من الفوضى، وصون مكانة الفتوى بوصفها بيانًا شرعيًّا مسؤولًا له أثر مباشر في وعي الناس واستقرار المجتمع، والجديد في هذا القانون أنه وضع لأول مرة إطارًا قانونيًّا منظمًا يحدد الجهات المختصة بالإفتاء، ويميز بوضوح بين الفتوى العامة التي تتعلق بالشأن المجتمعي، والفتوى الخاصة المرتبطة بحالات الأفراد، مع التأكيد على المرجعية العلمية والمؤسسية، وعلى ضرورة ألا يتصدر لهذا الأمر الجليل إلا من توافرت فيه الأهلية العلمية والمنهجية الكاملة، وهو في جوهره لا يستهدف تقييد الاجتهاد، وإنما تنظيمه وضبطه بما يحفظ للدين هيبته، وللمجتمع أمنه الفكري.

 

أما ما يتعلق بتأخر صدور اللائحة التنفيذية؛ فاللائحة ليست إجراءً شكليًّا، بل هي أداة تطبيقية دقيقة، تترجم النص القانوني إلى واقع عملي، وهو ما يتطلب قدرًا كبيرًا من التنسيق والاهتمام بهدف الوصول إلى صيغة متوازنة، تحترم التخصصات، وتحدد الاختصاصات بدقة، وتضمن حسن التطبيق دون تعارض أو إرباك.

ما الرسالة التي يود مفتي الجمهورية توجيهها للشباب في ظل التحديات التي يواجهها المجتمع حاليًّا؟

رسالتي إلى أبنائي وبناتي من الشباب هي رسالة ثقة قبل أن تكون رسالة توجيه؛ ثقة في وعيهم، وقدرتهم على الفهم والاختيار، وتحمل المسؤولية في مرحلة دقيقة يمر بها المجتمع والعالم بأسره.


وأدعو الشباب إلى التمسك بالعلم والمعرفة بوصفهما الطريق الآمن لمواجهة أي فكر مضلل أو خطاب متطرف، وأن يكونوا حريصين على تلقِّي الدين من مصادره الموثوقة، بعيدًا عن الشعارات الزائفة أو الدعوات التي تستغل حماستهم وتعبئهم على حساب وعيهم واستقرار أوطانهم.


وقد شددت دار الإفتاء المصرية مرارًا على أن الدين لا يتعارض مع التفكير، ولا مع العمل، ولا مع الانخراط الإيجابي في المجتمع، بل هو دافع للإصلاح والعمران وبناء الإنسان.


كما أوصيهم بألا يفقدوا الأمل في واقعهم أو في وطنهم، فكل مرحلة تحمل تحدياتها، لكن الأمم لا تنهض إلا بسواعد شبابها وإخلاصهم، ليكن الشباب جزءًا من الحل لا من الأزمة، ولينظروا إلى الدين بوصفه مصدر طمأنينة وقيم وأخلاق، لا أداة صراع أو انقسام.


وأقول لهم كونوا أصحاب وعي لا ردود أفعال، وأصحاب مبادئ لا انفعالات، فبِكُم ومعكم تُبنَى الأوطان، وتُصان القيم، ويتجدد الأمل في غدٍ أفضل وأكثر استقرارًا.

الجريدة الرسمية