رئيس التحرير
عصام كامل

الخشت: التفكير النقدي يخلق مناعة ذهنية ضد الاستقطاب

الخشت خلال الجلسة
الخشت خلال الجلسة
18 حجم الخط

دعا الدكتور محمد عثمان الخشت المفكر العربي ورئيس جامعة القاهرة السابق، إلى تبني مقاربة تربوية وفلسفية جديدة في القارة الأفريقية أطلق عليها المؤتمر  "بيداجوجيا الأمل"، مؤكدًا أن معالجة النزاعات المسلحة والأزمات السياسية لا يمكن أن تنجح دون تفكيك البنية العقلية لليأس، واستبدال "ثقافة الموت" التي تروج لها جماعات التطرف بـ "غريزة الحياة" والبناء.

ويأتي ذلك في طرح فكري واستراتيجي شامل أمام "المؤتمر الأفريقي لتعزيز السلم" بموريتانيا، برئاسة العلامة عبد الله بن بيه، وتحت رعاية رئيس الجمهورية الموريتانية محمد ولد الشيخ الغزواني، والمنعقد في العاصمة الموريتانية نواكشوط.

جاء ذلك خلال ترؤسه الجلسة الخامسة للمؤتمر بعنوان "بيداغوجيا الأمل: غراس التربية وحصاد المستقبل"، بحضور نخبة من العلماء وصناع القرار الأفارقة.

وشدد الدكتور الخشت، في ورقته على قاعدة جوهرية مفادها أن "العقل يرسم الرؤية، والسياسة تحدد الهدف، لكن التربية هي الأداة الأهم لتحقيق ذلك، لأنها هي التي تصنع العقول".

وأشار إلى أن الأمل في السياق الأفريقي المثقل بالجراح ليس ترفًا عاطفيًا، بل هو "كفاءة معرفية وأخلاقية شاقة" وضرورة وجودية لوقف نزيف القارة.

4 أركان لخلق مناعة ذهنية ضد الاستقطاب

وحدد الدكتور محمد الخشت، أربعة أركان عملية لما أسماه المؤتمر "بيداجوجيا الأمل"، وهي: مهارات التفكير النقدي: لخلق "مناعة ذهنية" ضد فيروسات الاستقطاب، والتربية المدنية: لترسيخ قواعد العيش المشترك والمواطنة المتكافئة، وتقنيات إدارة النزاع: لتحويل الاختلاف من اقتتال عبثي إلى مساحات للتفاوض العقلاني وفن التسويات العاقلة، والتعليم من أجل التنمية: لإعادة الاعتبار للاقتصاد والعمران كشرط مادي لاستدامة السلام.

وعلى المستوى السياسي، حذر الدكتور محمد الخشت، من خطورة إدارة الخلافات في إفريقيا بمنطق "المباراة الصفرية" Zero-Sum Game حيث يعتقد كل طرف أن بقاءه مرهون بفناء الآخر. وطرح بدلًا من ذلك "النموذج المعرفي للسفينة" المستلهم من الحديث النبوي الشريف، كأصل سياسي واجتماعي لمفهوم الأمن الجماعي والذي يعمل عليه "المؤتمر الأفريقي لتعزيز السلم".

وأوضح الدكتور الخشت، أن هذا النموذج يفرض "وحدة المصير"، حيث خرق السفينة في الأسفل يعني غرق من في الأعلى أيضًا، معتبرًا أن "التنازل السياسي" في هذا السياق ليس هزيمة، بل هو "استثمار في النجاة"، وأن الانتقال من عقلية "أنا أو الفوضى" إلى "نحن والنجاة" هو الشرط الشارط لتحويل الأمل إلى واقع.

واستدعى الخشت، في ورقته مفاهيم المربي البرازيلي "باولو فريري" والفيلسوف الألماني "إرنست بلوخ"، محذرًا مما أسماه "التعليم البنكي للكراهية"، حيث تقوم جماعات التطرف و"سماسرة الفوضى" بحشو عقول الشباب بسرديات المظلومية واليأس.

وطالب الخشت، بضرورة "عقلنة الأمل" وتحويله إلى سياسات عامة  تعليمية قابلة للقياس والتقييم، وإعطاء أولوية للشباب لحمايتهم من الهجرة غير النظامية أو الانزلاق نحو التطرف، وإعادة الاعتبار للمعلم بوصفه فاعلًا مركزيًا في صناعة السلم، والانتقال من ثقافة التلقين إلى ثقافة السؤال النقدي.

وأكد الدكتور الخشت، في ختام كلمته أن «اليأس خيانة، والأمل عمل ونضال»، مشددًا على أن صناعة المستقبل تمر عبر المدرسة والجامعة، حيث «السلام يبدأ من العقول».

الجريدة الرسمية