رئيس التحرير
عصام كامل

"التخلية قبل التحلية"، الأوقاف توضح طبيعة الربط بين شهري شعبان ورمضان

شهر شعبان ورمضان
شهر شعبان ورمضان
18 حجم الخط

أكدت وزراه الأوقاف عبر منصتها الرقمية أن  شهر شعبان بمثابة "الإصلاح الهيكلي" للقلب والجسر الإيماني الذي لا يَعبره المرءُ إلى حصاد رمضان إلا بصدق السقيِ والتطهير من الأحقاد والعيوب، كما استعرضت  سرَّ التلازم الوجودي بين شعبان "المُطهر" ورمضان "المُكفر"، للتأكيد على أن الاستعداد في شعبان هو شرطُ القبول في وفادة رمضان، فمن لم يزرع في رجب ولم يسقِ في شعبان، كيف يطمع في جني الثمار؟

شهر شعبان ومنزلة "السقي" لإصلاح باطن الأرض (القلب)

شعبان هو مرحلة "الإصلاح الهيكلي" للقلب؛ فالبذرة التي وُضعت في رجب لا تنبت إلا بسقيٍ متواصل في شعبان، ليكون الثمر يانعًا في رمضان.

قال ذو النون المصري رحمه الله: ‌رجب ‌شهر ‌الزرع، وشعبان شهر السقي، ورمضان شهر الحصاد، وكل يحصد ما زرع، وَيُجْزَى ما صَنَع، ومن ضيع الزراعة ندم يوم حصاده، وأخلف ظنه مع سوء معاده. [الغنية لطالبي طريق الحق، عبد القادر الجيلاني، ١/٣٢٦].

قال الإمام أبو بكر الوراق البلخي: " شهر رجب شهر الزرع، وشهر شعبان شهر السقي للزرع، وشهر رمضان شهر حصاد الزرع. وعنه قال: مثل شهر رجب مثل الريح، ومثل شعبان مثل الغيم، ومثل رمضان مثل المطر. [لطائف المعارف، ابن رجب، ص ٢٣٤].

قال سري السقطي يقول: السنة شجرة، والشهور فروعها والأيام أغصانها والساعات أوراقها وأنفاس العباد ثمرتها، فشهر رجب أيام توريقها، وشعبان أيام تفريعها، ورمضان أيام قطفها، والمؤمنون قطافها. [التبصرة، لابن الجوزي، ٢/٧٨]


تطهير الصحيفة السنوية (رفع الأعمال والحكمة من الصوم)


بما أن شعبان هو شهر "ختام السنة الإيمانية"، فإن التطهير فيه يكون بالصوم لترفع الأعمال والعبد في حالة طهارة.

عن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ! قَالَ: ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ». [النسائي، (٢٣٥٧)].

وقد قيل في صوم شعبان معنى آخر: وهو أن صيامه كالتمرين على صيام رمضان، لئلا يدخل في صيامه على مشقة وكلفة، بل يكون قد تمرن على الصيام واعتاده، ووجد بصيام شعبان قبل رمضان حلاوة الصوم ولذته، فيدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط. [شرح الزرقاني على المواهب اللدنية، ١١/٢٨٧].

 


تطهير الباطن من الشحناء والخصومة


لا يُطهر العمل في شعبان إلا بتطهير القلب من الأحقاد؛ فالمشاحنة هي "القاطعة" التي تمنع صعود العمل للتكفير في رمضان.

عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «‌يطَّلعُ ‌الله ‌إلى ‌جَميعِ ‌خَلْقهِ ‌ليلةَ ‌النصْفِ ‌مِنْ ‌شَعْبانَ، فيغْفِرُ لجميعِ خَلْقِه إلا لِمُشْرِكٍ أو مُشاحِنِ». [ابن ماجه(١٣٩٠)].

أي يتجلى على خلقه بمظهر الرحمة العامة والإكرام الواسع، قاله ابن حجر، وقال الطيبي: بمعنى ينزل، وقد مر، والأظهر أن يقال، أي ينظر نظر الرحمة السابقة والمغفرة البالغة (في ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه): المتصف بذنبه المعترف بتقصيره وعيبه (إلا لمشرك)، أي: كافر بأي نوع من الكفر، فإن الله لا يغفر أن يشرك به (أو): للتنويع (مشاحن)، أي: مباغض ومعاد لأحد، لا لأجل الدين، والحاصل أنه تعالى يسامح عباده في تلك الليلة عن حقوقه إلا الكفر به، وما يتعلق به حقوق عبيده، فإنه يؤخرهم إلى أن يتوب عليهم أو يعذبهم، قال الطيبي: الشحناء العداوة والبغضاء، ولعل المراد التي تقع بين المسلمين من قبل النفس الأمارة بالسوء إلا للدين، ولا يأمن أحدهم أذى صاحبه من يده ولسانه؛ لأن ذلك يؤدي إلى القتل، وربما ينتهي إلى الكفر إذ كثيرًا ما يحمل على استباحة دم العدو وماله، ومن ثم قرن المشاحن في الرواية الأخرى بقاتل النفس، وكلاهما تهديد على سبيل التغليظ. [الملا علي قاري، مرقاة المفاتيح، ٣/٩٧٥].

قال ابن ثوبان: المشاحن هو التارك لسنّة نبيّه صلى الله عليه وسلم، الطاعن على أمّته، السّافك دماءهم. وهذه الشّحناء - أعني شحناء البدعة - توجب الطّعن على جماعة المسلمين، واستحلال دمائهم وأموالهم وأعراضهم، كبدع الخوارج والرّوافض ونحوهم.

فأفضل الأعمال: سلامة الصّدر من أنواع الشّحناء كلّها، وأفضلها السّلامة من شحناء أهل الأهواء والبدع التي تقتضي الطّعن على سلف الأمّة، وبغضهم والحقد عليهم، واعتقاد تكفيرهم أو تبديعهم وتضليلهم؛ ثم يلي ذلك سلامة القلب من الشّحناء لعموم المؤمنين، وإرادة الخير لهم، ونصيحتهم، وأن يحبّ لهم ما يحبّ لنفسه. [ابن رجب الحنبلي، لطائف المعارف، ص٣١٠].

رمضان ومنزلة "التكفير" الشامل (إحراق الأوزار)


بمجرد دخول رمضان بقلبٍ طُهّر في شعبان، تبدأ عملية "التكفير" أي المحو والستر والإحراق للذنوب.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «‌مَنْ ‌صَامَ ‌رَمَضَانَ ‌إِيمَانًا ‌وَاحْتِسَابًا ‌غُفِرَ ‌لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». [البخاري(٢٠١٤)].

وسمي بذلك لرمض الحر وشدة وقوعه فيه حال التسمية لأنهم لما نقلوا أسماء المشهور من اللغة القديمة سموها باسم الأزمنة التي وقعت فيها فصادف هذا الشهر أيام رمض الحر أي شدته. وقال القاضي أبو الطيب: سمي بذلك ‌لأنه ‌يرمض ‌الذنوب ‌أي ‌يحرقها وله أسماء غير هذا أنهوها إلى ستين ذكرها الطالقاني في كتابه حظائر القدس منها شهر الله وشهر الآلاء وشهر القرآن، وشهر النجاة. [القسطلاني، ارشاد الساري،٤/٤٤٧].  

قال الخطابي: أي: عزيمة وهو أن يصومه على معنى الرغبة في ثوابه طيبة به نفسه غير مستثقل لصيامه ولا مستطيل لأيامه (غفر له ما تقدم من ذنبه). [القسطلاني، إرشاد الساري، ٤/٤٥١].

وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه أنه كان يقول إذا دخل شهر رمضان: مرحبًا بالمطهر خير كله، صيام نهاره وقيام ليله، والنفقة فيه كالنفقة في سبيل الله. [الغنية لطالبي طريق الحق – عبد القادر الجيلاني (٢ ‏/ ١٤)].


التلازم الوجودي (شعبان طهور الوفادة وشرط الاستعداد)


إنَّ العلاقة بين شعبان ورمضان ليست مجرد تعاقب زمني، بل هي علاقة "شرط بالمشروط"؛ فالتطهر في شعبان هو الذي يُؤهل العبد لفيوضات رمضان، فلا يُقبل الوفدُ بملابس دنسة، ولا تشرق الأنوار في قلوبٍ ملأتها الشواغل.

مرحلية التزكية (الذنب، العيب، القلب): "رجب لاستغفار الذنوب وشعبان لستر العيوب ورمضان لتنوير القلوب، وقيل رجب خص بالمغفرة من الله وشعبان بالشفاعة ورمضان بتضعيف الحسنات وقيل رجب شهر التوبة وشعبان شهر المحبة ‌ورمضان ‌شهر ‌القربة". [الصفوري، نزهة المجالس،١/١٥٩].

شعبان مقدمة الرياضة الروحية: يوضح ابن رجب الحنبلي سر التلازم بين الشهرين قائلًا: «ولما كان شعبان كالمقدمة لرمضان، شُرع فيه ما يشرع في رمضان من الصيام وقراءة القرآن؛ ليحصل التأهب لتلقي رمضان، وتتروض النفوس بذلك على طاعة الرحمن. [ابن رجب الحنبلي، لطائف المعارف، ص ٢٤٢].

خطر الإهمال في شعبان: ذكر الإمام ابن الجوزي في بيان ضرورة استغلال شعبان لتطهير الباطن قبل رمضان: وَقال أبو هريرة، إذا كان هلال شعبان دفع إلى ملك الموت صحيفة يقبض من فيها إلى شعبان من قابل، فإن الرجل ليغرس الغرس ويبني البنيان وينكح ويولد له ويظلم ويفجر وما له في السماء اسم وما اسمه إلا في صحيفة الموتى إلى أن يأتي يومه الذي يقبض فيه أو ليلته. فيا أيها الغافل تنبه لرحيلك ومسراك، واحذر أن تستلب على موافقة هواك، انتقل إلى الصلاح قبل أن تنقل، وحاسب نفسك على ما تقول وتفعل، ولا تغفل عن التدارك الله الله لا تفعل. [ابن الجوزي، التبصرة،٢/٤٨].

الخلاصة الإيمانية: "جدير بمن سوّد صحيفته بالذّنوب أن يبيّضها بالتّوبة في هذا الشهر، وبمن ضيّع عمره في البطالة أن يغتنم فيه ما بقي من العمر.

انتهاز الفرصة بالعمل في هذا الشهر غنيمة، واغتنام أوقاته بالطّاعات له فضيلة عظيمة.

في هذه الأشهر الأبواب قد فتحت … للتّائبين فكلّ نحوها هربا

حطّوا الرّكائب في أبواب رحمتنا … بحسن ظنّ فكلّ نال ما طلبا

وقد نثرنا عليهم من تعطّفنا … نثار حسن قبول فاز من نهبا".

[ابن رجب، لطائف المعارف، ص٢١٨].

 حقيقة الربط بين شعبان ورمضان


وشدت على أن حقيقة الربط بين شعبان ورمضان تقوم على معادلة "التخلية قبل التحلية"؛ فشعبان هو محطة التطهير الكبرى للقلب من الشوائب والأحقاد، ورمضان هو محطة التكفير وإحراق الذنوب بالأنوار، فاستبِقوا الخيرات بإصلاح البواطن، ليكون صيامكم في الشهر الكريم وفادةً على الله بقلوبٍ سليمة طاهرة، مستحقةٍ للعفو والرضوان.

الجريدة الرسمية