رئيس التحرير
عصام كامل

ليبيا بين منطق القوة وسلطة القانون.. اغتيال سيف الإسلام القذافي يصنع مشهدا ضبابيا بالبلاد.. تطبيع العنف يوسع الفجوة مع دولة القانون والمؤسسات.. وخبير ليبي: إلغاء العفو العام يعرقل العملية السياسية

ليبيا
ليبيا
18 حجم الخط

تمر ليبيا بلحظة حرجة جديدة بعد اغتيال نجل الرئيس السابق معمر القذافي سيف الاسلام، وهو حدث يضع المستقبل السياسي والأمني للبلاد على المحك. الحادثة تطرح تساؤلات حول قدرة الدولة على فرض القانون وحماية العملية السياسية، وما إذا كانت البلاد ستستمر كدولة مؤسسات أم ستصبح ساحة يحكمها الرصاص والقوة المسلحة.

الانقسام في ليبيا لم يعد سياسيا فقط، بل امتد إلى القضاء الذي يعد آخر المؤسسات التي كانت موحدة نسبيا.

المحكمة العليا ألغت قانون العفو العام رقم 6 لعام 2015، وهو القرار الذي يمثل ضربة قوية لأي محاولة لمصالحة وطنية.

قرار المحكمة أضاف بعدا جديدا للصراع، وجعل ليبيا تتحرك من الانقسام السياسي الى انقسام قضائي، وزاد من تعقيد السلم المجتمعي وأضعف قدرة الدولة على توحيد الصف الوطني.

هذا الانقسام القضائي يأتي في سياق صراع طويل بين حكومتين وبرلمانين ومصرفين مركزيين، حيث أصبح الجمود السياسي يراوح مكانه، رغم محاولات البعثة الأممية لحلحلة الوضع.

استمرار هذا الانقسام جعل كل خطوة نحو الانتخابات أو المصالحة صعبة جدا، وجعل القانون في ليبيا أداة صراع إضافية بدلا من أن يكون وسيلة لحماية الاستقرار.

خطوات أحادية تهدد الاستقرار

من أسباب استمرار الأزمة أيضا الخطوات الأحادية لبعض الأطراف، مثل تشكيل هيئات عليا تجمع بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وهو أمر يخالف القوانين الوطنية واتفاقيات دولية مثل اتفاق الصخيرات.

كما أقدم مجلس الدولة الاستشاري على اتخاذ قرارات منفردة، مثل تكليف رئيس للمفوضية العليا للانتخابات، رغم أن اختصاصه استشاري فقط.

هذه الخطوات أعادت إنتاج نفوذ عناصر قديمة، وكرست منطق القوة والتفرد في القرار السياسي، ووضعت العراقيل أمام أي مسار انتخابي أو عملية ديمقراطية حقيقية.

غياب أجندة وطنية واضحة وتغليب المصالح الخارجية على الداخلية ساهم في استمرار الأزمة، حيث تنقلت ليبيا بين عواصم العالم من برلين وباريس إلى الصخيرات وبوزنيقة وصلالة وجنيف وغدامس دون التوصل إلى اتفاق دائم، فيما السياسيون الانتهازيون منعوا أي انتخابات أو عرقلوا تنفيذها، مستفيدين من استمرار الأزمة.

اغتيال سيف الاسلام القذافي وتهديد الاستقرار

اغتيال سيف الاسلام القذافي يمثل اختبارا صعبا لدولة هشة وضعيفة بفعل الانقسامات السياسية والعسكرية.

الحدث يثير المخاوف من تحول الاغتيالات السياسية إلى أداة اعتيادية لتصفية الخصوم، خصوصا في ظل غياب سلطة مركزية قوية، وتعدد الميليشيات المسلحة، وانقسام القوات المسلحة، مما يسهل تنفيذ عمليات اغتيال دون مساءلة أو محاسبة.

هذا الحدث يشير الى احتمالية تحول الصراع السياسي في ليبيا من منافسة ديمقراطية أو تفاوضية الى منطق القوة والرصاص.

الدولة غير قادرة على فرض القانون على الفاعلين، ما يجعل العملية السياسية معرضة للانهيار، ويضع البلاد أمام احتمال استشراء العنف السياسي وتكرار الاغتيالات.

تداعيات الاغتيال على العملية السياسية

اغتيال شخصية سياسية ذات وزن رمزي مثل سيف الاسلام قد يضع العملية السياسية في خطر شديد.

كما أن استمرار الانقسام القضائي والسياسي والعسكري يضاعف التوترات، ويزيد من صعوبة توحيد المؤسسات واستعادة الثقة بين الأطراف الليبية.

وفي حال عدم محاسبة الفاعلين، فإن اغتيال سيف الاسلام قد يصبح نموذجا لتصفية الخصوم السياسيين مستقبلا، ويؤكد أن القوة المسلحة هي الحاكم.

كما أن استمرار هذا المنطق يهدد أي مسار انتخابي محتمل، ويجعل الانتخابات عرضة للانتهاكات والتأجيل المستمر، ويضع البلاد في حلقة مفرغة من التشظي والفوضى، حيث تصبح السلطة بيد من يملك القوة والسلاح فقط.

اليوم ليبيا أمام خيارين واضحين،  الأول استمرار تطبيع العنف والاغتيالات السياسية كوسيلة لإقصاء الخصوم، والثاني فرض القانون والمساءلة لتعزيز سلطة الدولة واستعادة العملية السياسية. بين هذين الخيارين يتحدد مستقبل البلاد، إما دولة قانون تحمي المؤسسات وحقوق المواطنين، أو دولة ميليشيات يحكمها الرصاص والقوة المسلحة. اغتيال سيف الاسلام القذافي يمثل اختبارا حاسما لمسار ليبيا السياسي ومستقبل الوحدة الوطنية، والنتيجة تعتمد على قدرة الدولة على فرض القانون واستعادة دور المؤسسات المدنية.

ومن جهته يقول الخبير الليبي محمد الترهوني: إن عرقلة العملية السياسية في ليبيا بدأت منذ نحو أسبوعين مع صدور قرار من حكومة الوحدة الوطنية في المنطقة الغربية بإلغاء قانون العفو العام، الذي كان يهدف إلى ضم جميع الليبيين وفتح الطريق أمام إنهاء الانقسام السياسي.

وأوضح الترهوني أن إلغاء القانون صدم الشارع الليبي، خاصة أنه كان يمثل خطوة نحو المصالحة الوطنية والانتقال إلى مرحلة سياسية جديدة، محذرًا من أن القرار قد يترتب عليه ملاحقات سياسية وإبعاد بعض التيارات من المشهد، وعلى رأسها أنصار سيف الإسلام القذافي، ما يعكس مخاوف من صعود هذا التيار.

وأشار إلى أن المعطيات الجديدة، بالتزامن مع مقتل سيف الإسلام القذافي، تنذر بمرحلة سياسية معقدة ومشهد ضبابي قد يعيد البلاد إلى نقطة الصفر التي شهدتها منذ عام 2011، رغم استمرار المشاورات السياسية.

وأكد الترهوني أن نجاح أي مسار سياسي قادم يتطلب استبعاد التشكيلات المسلحة من المعادلة، معتبرًا أنها خلقت أرضًا هشة في المنطقة الغربية وأفشلت تجارب الحكومات السابقة، بسبب سيطرتها الواسعة وتأثيرها على مراكز القرار.

وأضاف أن استمرار نفوذ التيارات المسيطرة على المشهد، بالتوازي مع سطوة السلاح، يجعل من الصعب تحقيق توافق سياسي شامل، ويهدد فرص نجاح أي تسوية مستقبلية، ما قد يؤدي إلى مزيد من التعقيد في الأزمة الليبية.

الجريدة الرسمية