رئيس التحرير
عصام كامل

ذكرى اغتيال شكري بلعيد، جريمة هزت تونس وفتحت ملف العنف السياسي

شكري بلعيد، فيتو
شكري بلعيد، فيتو
18 حجم الخط

تحلّ اليوم ذكرى اغتيال السياسي التونسي شكري بلعيد، أحد أبرز وجوه المعارضة اليسارية وأحد مؤسسي تيار الجبهة الشعبية، عام 2013 في واقعة مثلت نقطة تحوّل حادة في المسار السياسي التونسي بعد ثورة 2011، وأعادت ملف العنف السياسي إلى صدارة المشهد العام.


من شكري بلعيد؟

ولد شكري بلعيد في 26 نوفمبر 1964 بمدينة تونس العاصمة، ونشأ في بيئة اجتماعية متوسطة، وتلقى تعليمه الجامعي في كلية الحقوق، حيث درس القانون وتخرّج محاميًا، وهي المرحلة التي بدأت خلالها تتشكّل ملامح وعيه السياسي والفكري.

وانخرط مبكرًا في العمل الطلابي والنقابي، متأثرًا بالتيارات اليسارية والقومية التي كانت حاضرة بقوة داخل الجامعات التونسية في الثمانينيات والتسعينيات.

فكريًّا، تبنّى بلعيد مواقف علمانية ويسارية واضحة، وكان من أبرز المنتقدين لخلط الدين بالسياسة، مع تركيز خاص على قضايا العدالة الاجتماعية والحريات العامة وحقوق الإنسان.

وهذا التوجّه جعله في صدام دائم مع نظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، حيث تعرّض للملاحقة الأمنية والمنع من النشاط السياسي، وظل لسنوات ضمن دائرة المعارضين غير المرخّص لهم بالعمل العلني.

وبعد ثورة 2011، برز اسم شكري بلعيد بقوة في المشهد العام، وكان من بين المؤسسين الرئيسيين لـ الجبهة الشعبية، وهو تحالف يضم قوى يسارية وقومية وتقدمية، تشكّل كقوة معارضة في مواجهة صعود الإسلام السياسي، خاصة حركة النهضة.

وداخل هذا الإطار، لعب بلعيد دورًا محوريًا كصوت صدامي صريح، لم يتردد في توجيه اتهامات مباشرة بوجود تساهل مع العنف السياسي والجماعات المتشددة.

سياسيًا، لم يكن بلعيد صاحب منصب رسمي، لكنه امتلك تأثيرًا واسعًا من خلال حضوره الإعلامي وخطابه الحاد، ما جعله هدفًا دائمًا للتهديدات، التي كان يصرّح علنًا بتلقيها قبل اغتياله.


كواليس اغتيال شكري بلعيد

اغتيل شكري بلعيد صباح 6 فبراير 2013 أمام منزله في العاصمة تونس، بعدما أطلق مجهولون النار عليه، في وقت كانت فيه البلاد تعيش حالة استقطاب سياسي حاد بين قوى مدنية وأخرى ذات مرجعية دينية، وسط ضعف أمني واضح واحتقان شعبي متصاعد.

و الاغتيال لم يكن مجرد تصفية لشخصية سياسية، بل صدمة جماعية أربكت الشارع التونسي وأطلقت موجة احتجاجات واسعة.

والجريمة دفعت آلاف التونسيين إلى الشوارع، وخرجت جنازة بلعيد كأحد أكبر التجمعات الشعبية في تاريخ تونس الحديث، فيما وجّهت اتهامات مباشرة لحكومة الترويكا آنذاك بالتقصير السياسي والأمني، وارتفعت مطالب بإسقاط الحكومة ومحاسبة المسؤولين عن المناخ الذي سمح بالاغتيال.

على المستوى السياسي، شكّل اغتيال بلعيد لحظة فاصلة، إذ عُدّ أول اغتيال سياسي في تونس منذ عقود، وأجبر القوى المتصارعة على إعادة حساباتها، ما مهّد لاحقًا لمسار الحوار الوطني الذي أفضى إلى تغيير الحكومة وصياغة ترتيبات سياسية جديدة لتجنّب الانزلاق نحو الفوضى.

وبعد سنوات، لا يزال ملف اغتيال شكري بلعيد حاضرًا في الذاكرة التونسية، ليس فقط باعتباره جريمة لم تغلق فصولها بالكامل، بل كرمز لمرحلة خطيرة اختلط فيها الانتقال الديمقراطي بالعنف، وظلّت تداعياتها تلقي بظلالها على المشهد السياسي حتى اليوم.

الجريدة الرسمية