رئيس التحرير
عصام كامل

مع دخول رمضان، "قدور" الفول تصنع الحدث وأصحاب الفنادق يسابقون لاقتنائها (فيديو وصور)

قدرة الفول ب باب
قدرة الفول ب باب الشعرية
18 حجم الخط

 مع اقتراب شهر رمضان، تتحول شوارع باب الشعرية في القاهرة إلى لوحة حية من الحركة والإنتاج. الحي الذي اشتهر منذ عقود بصناعة النحاس، يشهد هذه الأيام نشاطًا مضاعفًا، فتتكدس القدور، والكابشات، وصواني الكنافة، وكوبايات صب عجين الكنافة على الأرصفة وفي المحلات، لتشكل مشهدًا يلفت انتباه المارة ويعلن قدوم الشهر الكريم. 

باب الشعرية.. قلب النحاس ينبض استعدادًا لرمضان

 المشهد الميداني هنا لا يشبه أي مكان آخر في العاصمة، فالألوان اللامعة للنحاس، وصدى صوت المطرقة على الصفائح، وروائح الشاي والقهوة من المقاهي الصغيرة، كلها عناصر تعكس حيوية الحرفة وموسمية المبيعات.

باب الشعرية ليست مجرد شارع، بل قلب صناعي نابض للحرفة التقليدية. قدرة الفول، على وجه الخصوص، تحظى بمكانة كبيرة، فهي ليست مجرد وعاء طبخ، بل قطعة فنية متقنة، تعكس خبرة الأجيال. 

يبدأ يوم الصنايعي منذ الصباح الباكر، مع صوت الطرق المتواصل على النحاس، واللهب يتلألأ تحت القدور على المواقد، وأيدي الحرفيين تتحرك بثقة، تشكل النحاس، تنعمه، وتطبقه على النار حتى يصل إلى الشكل النهائي الصالح للاستخدام.

قدرة الفول.. تنوع وحرفية متوارثة

أحجام القدور متنوعة، لتناسب كل الاحتياجات. فهناك القدور الصغيرة التي يشتريها أصحاب المنازل، والمتوسطة للمطاعم الصغيرة، والكبيرة للفنادق والمطاعم الكبرى. ووفقا للتجار فإن الأسعار هذا الموسم تبدأ من ٥٠٠ جنيه للأحجام الصغيرة، وتصل إلى ٧٥٠ و٩٠٠ جنيه للأحجام الكبيرة، وفقًا لسُمك النحاس ودقة التشطيب. 

الصنايعية يؤكدون أن الطلب يبدأ بالارتفاع قبل رمضان بأسابيع، حيث تتنافس المحلات الكبرى وأصحاب الفنادق على شراء القدور الجديدة، فيما يسارع المواطنون لتجهيز منازلهم استعدادًا لسحور رمضان، مفضلين النحاس التقليدي لما يتميز به من توزيع متوازن للحرارة يحافظ على مذاق الفول.

داخل الورش، يمكن ملاحظة تفاصيل الحياة اليومية للصنايعية. بعضهم يخصص نفسه لتشكيل القدور، وآخر للتلميع والتشطيب، وورشة أخرى للإصلاح وإعادة تدوير القدور القديمة. الأطفال الذين يتعلمون الحرفة من آبائهم، والنساء اللواتي يشرفن على الصواني وصب عجين الكنافة، جميعهم جزء من هذا المشهد الحي. كل ورشة هنا تحمل قصة صغيرة: قدور تتشكل على أيدي خبراء عاشوا مع النحاس طوال حياتهم، وأحيانًا تسمع تعليقًا لطيفًا من أحد الصنايعية: "القدور القديمة لها روحها، ولازم تتصلح بحب".

من الورشة إلى السوق.. دورة كاملة للحرفة الرمضانية

ليس التصنيع وحده ما يميز باب الشعرية، بل شبكة متكاملة من الورش والمحلات التي تدير دورة حياة النحاس الرمضاني. فإلى جانب ورش التصنيع، هناك ورش متخصصة في تصليح القدور القديمة وتجهيزها للاستخدام، ما يجعل الزبون أمام خيارين: شراء جديد أو إصلاح القديم. المحلات التي تعرض المنتجات النهائية تتحول الشوارع أمامها إلى سوق موسمي مفتوح. صواني الكنافة، كابشات الغرف، وكوبايات صب عجين الكنافة تتراص في واجهات المحلات بشكل جذاب، لتشد المارة وتضفي على الحي أجواء احتفالية حقيقية.

 

ويختلف الزبائن، فهناك أصحاب المحلات الصغيرة الذين يشترون كميات محدودة، وأصحاب الفنادق والمطاعم الكبرى الذين يفضلون القدور الكبيرة والأدوات المصنوعة بعناية فائقة. التنافس على الجودة والأسعار يجعل باب الشعرية مركزًا حقيقيًا للتجهيز الرمضاني، فمع الأسعار التي تبدأ من ٥٠٠ جنيه وتصل إلى ٩٠٠ جنيه، تبقى المنتجات في متناول الجميع، من الأسر المصرية إلى المطاعم الكبرى.

النحاس والذاكرة الشعبية.. رمضان بطعم الحرفة

قدور الفول في باب الشعرية ليست مجرد أدوات طهي، بل رمز لثقافة رمضانية متجذرة، وامتداد لتراث الحي العريق. مع كل قدرة جديدة، يُصنع معها معنى الاستمرارية والتاريخ، فتظل الحرفة التقليدية حية رغم ظهور المنتجات الجاهزة. المشهد اليومي في الشارع يختلط فيه بريق النحاس بموسيقى المطرقة، وروائح الشاي والقهوة، وابتسامات الزبائن، وحركة العربات الصغيرة التي تنقل القدور والمنتجات إلى المحلات والأسواق.

ويؤكد الصنايعية أن رمضان يمثل موسم الرزق الأساسي لهم، فمع ارتفاع الطلب، يتضاعف العمل، وتتعلم الأجيال الصغيرة الحرفة من الكبار. كل قدر يُصنع يحمل بصمة الصنايعي، وصوته، وخبرته، وحبه لمهنته، ويعكس حرصه على المحافظة على التقاليد، وسط مدينة تتغير بسرعة، لكنها تحافظ على رموزها المميزة.

في نهاية اليوم، يبدو باب الشعرية كأنها لوحة حية: أصوات الطرق على النحاس، بريق القدور، حركة الزبائن، ألوان الورش، وانبعاث الروائح الرمضانية، كلها تتداخل لتخلق تجربة ميدانية فريدة. هنا، يمتزج الماضي بالحاضر، لتظل القدرة النحاسية جزءًا لا يتجزأ من ذكريات رمضان في مصر، ورمزًا لمهارة وحرفة لا يقدرها الزمن.

الجريدة الرسمية