رئيس التحرير
عصام كامل

وأد المحاصيل.. مستندات تكشف عن أسمدة حكومية بلا فاعلية.. نتائج تحاليل معملية تزعم عدم مطابقة منتجات وزارة الزراعة للمواصفات القياسية

المحاصيل الزراعية
المحاصيل الزراعية
18 حجم الخط

في الوقت الذي تسخر فيه الدولة المصرية كافة إمكاناتها لزيادة الرقعة الزراعية، وتبذل جهودًا كبيرة للتوسع في إنتاج  المحاصيل الاستراتيجية والهامة، للحفاظ على أمنها الغذائي وتحقيق التوازن بين الاستيراد والتصدير.. نجد أن هناك مخالفات فادحة تهدد بنسف هذه الجهود ومن شأنها إلحاق بالغ الضرر بقطاع الزراعة كاملًا.. ولعل المعلومات والتفاصيل التي ترصدها "فيتو" في الملف التالي – حال التأكد من صحتها - مثالًا صارخًا لتلك المخالفات الخطيرة.

مستندات صادمة  زعمت عدم مطابقة بعض الأسمدة والمخصبات التي تنتجها المعامل والمصانع التابعة لـ وزارة الزراعة، للمواصفات القياسية، وأنها مجرد وهم يباع للمزارعين، بعد أن أشارت التحاليل التي أُجريت في معامل حكومية رسمية ومعتمدة، خلو تلك المنتجات من العناصر الغذائية المهمة لنمو النباتات وزيادة إنتاج المحاصيل.
لم تتوقف فصول الواقعة عند هذا الحد، بل امتدت لتكشف كواليس أخرى داخل أروقة العمل الإداري الحكومي، حيث تعرض المصدر الذي كشف عن تلك الوقائع، للاضطهاد الوظيفي في محاولة للتغطية على المخالفات الفادحة المدعومة بالمستندات والصور، وكأنه يتعرض للعقاب لمجرد أنه تجرأ وحاول لفت أنظار المسؤولين لتلك المخالفات لضمان حماية قوت المصريين!
خطورة القضية هنا تكمن في أنها لا تتعلق بأسمدة مصنعة "تحت بير السلم"، بل في مصانع موثوقة ومن المفترض أنها تخضع لرقابة صارمة، ويتعامل معها الفلاحون باعتبارها الملاذ الآمن الذي يعتمدون عليه في تطوير وتحسين زراعاتهم، لذا نضعها كاملة أمام المسؤولين للتحقيق فيما تضمنته من وقائع ومستندات، واتخاذ من الإجراءات ما هو كفيل بردع المخالفين وحماية واحدة من أهم الصناعات المصرية الحكومية، حال التأكد من صحتها.

شكاوى المزارعين من عدم فاعلية الأسمدة الزراعية


أول خيوط القضية بدأت تتكشف – وفقًا لمصدر رفض الإفصاح عن هويته - عندما تقدم عدد من المزارعين بشكاوى إلى أحد معامل خصوبة التربة، وهو معمل حكومي معتمد تابع للهيئة العامة لصندوق الموازنة الزراعية، زعموا فيها أن بعض الأسمدة والمخصبات الزراعية التي تنتجها الهيئة من مصانعها الخاصة، لا تحقق النتائج المرجوة منها، وأنهم أنفقوا مبالغ مالية كبيرة في شراء تلك الأسمدة والمخصبات دون جدوى.. وأبدى المزارعون شكوكهم في عدم مطابقة تلك المنتجات للمواصفات القياسية المعتمدة.
أمام هذه الشكاوى المتزايدة، قرر أحد مسؤولي المعمل البحث فيها ومعرفة أسباب عدم جدوى الأسمدة والمخصبات التي اشتكى منها المزارعون، وكان أبرزها: مركب "بوروبوتا"، وهو سماد ورقي يستخدم في جميع المحاصيل الورقية بهدف تغذية النبات، ويمثل أهمية كبرى لبعض المحاصيل الاستراتيجية الدرنية بصفة خاصة مثل بنجر السكر، ويسهم بقوة في تركيز السكر في درنات المحصول، كما يستخدم في محاصيل القلقاس والبطاطس والبطاطا وغيرها.. ومركب "البوتاسين فو"، وهو سماد ورقي أيضًا يستخدم على نطاق واسع مع كافة المحاصيل الزراعية.. ومركب "فيري جود"، وهو سماد أرضي المفترض أنه غني بالعناصر والمغذيات اللازمة لنمو النبات وتحسين جودة المحاصيل.. وهناك مركب "سيترين"، وهو سماد ورقي غني بالمغذيات الصغرى ويستخدم لتحسين نمو النباتات الورقية.
المسؤول لم يتردد في شراء كميات من الأسمدة والمخصبات المشار إليها على حسابه الخاص، وحرص أن يشتريها من منافذ متفرقة تابعة لهيئة المعتمدة من قبل وزارة الزراعة بموجب فواتير رسمية.. ثم جاءت الخطوة الثانية المتمثلة في تحليل المركبات والأسمدة التي اشتكى منها المزارعون، في معامل حكومية معتمدة لبيان مدى مطابقتها للمواصفات القياسية، ووقع اختياره على معامل كلية الزراعة بجامعة الإسكندرية، وقدم لها عينات من المنتجات الأربعة وطلب تحليلها والحصول على تقرير رسمي معتمد بنتائج تلك التحاليل.
 

صدمة في نتائج تحاليل الأسمدة


بعد أيام قليلة حصل المسؤول على نتائج التحاليل التي طلبها، والتي حملت مفاجأة من العيار الثقيل تمثلت في عدم مطابقة عينات الأسمدة والمركبات التي خضعت للتحليل، للمواصفات القياسية نهائيًا، وأظهرت تناقضًا كبيرًا في نسب العناصر المدونة على العبوات، ونسب نفس العناصر التي ظهرت في التحاليل المعملية.. وجاءت نتائج تحليل كل مركب على النحو التالي:
بالنسبة لمنتج "بوروبوتا".. وصلت نسبة عنصر الـ"بورن" 6.% في حين تصل النسبة القياسية المدونة على العبوة 15%.. نسبة المنجنيز صفر%، ومن المفترض أنها 1%.. نسبة الحديد 3.%، ومن المفترض أن تكون 1%.. نسبة عنصر الـ"موليبيدينو" صفر%، ومن المفترض أن تكون 5%.
وبالنسبة لمنتج “فيري جود”، جاءت نسبة عنصر البوتاسيوم فيه 4.1%، في حين أن النسبة القياسية من المفترض أن تكون 27%، والكارثة الكبرى أنه تبين خلو هذا المركب من عدد كبير من العناصر المهمة المدونة على العبوة، أبرزها عنصر "سيتوكاينين"، والذي يسهم بقوة في زيادة حجم الثمار.
أما نتائج تحليل مركب "بوتاسين فو"، فقد أظهرت احتوائه على عنصر البوتاسيوم بنسبة 21.9%، في حين أن النسبة القياسية المدونة على العبوة تصل إلى 32%، والمعروف أن عنصر البوتاسيوم من العناصر المهمة للغاية بالنسبة لكافة أنواع النباتات، وهو ضروري لتحسن نموها، وبالتالي ترتفع إنتاجية وجودة المحاصيل.


وبالنسبة للمركب الرابع وهو "سيترين"، فقد أظهرت نتائج تحليل عينة منه أنه يحتوي على 1% من عنصر الحديد، في حين تبلغ النسبة القياسية المدونة على العبوة 2%، فيما تبلغ نسبة عنصر المنجنيز به 26.%، ومن المفترض أن تكون 2% وفقًا للمواصفات القياسية.
وهناك مركب آخر خضع للتحليل أيضًا هو مركب "كالسين"، وأظهرت النتائج أنه يحتوي على عنصر الكالسيوم بنسبة 1%، والتي من المفترض أن تكون 13%، كما أن هذا المركب من المفترض أن يكون "مخلبي"، ولكن النتائج أظهرت أنه غير مخلبي.
المسؤول الذي رفض الإفصاح عن هويته لاعتبارات خاصة بعمله أكد أثناء حديثه لـ"فيتو"، أن المركبات السابقة من الأسمدة والمخصبات الزراعية، تعتبر "روح النباتات" وتمثل أهمية عظمى لقطاع الزراعة في مصر، وبدونها قد ينهار الإنتاج الزراعي، كما أن بعض الأسمدة غير المطابقة للمواصفات قد تأتي بنتائج عكسية، لعل أخطرها إضعاف خصوبة التربة وتغيير خصائصها.. وأضاف المصدر أن المركبات والأسمدة غير المطابقة للمواصفات، تمثل عبئًا اقتصاديًا كبيرًا على كاهل المزارعين، فأسعارها مرتفعة، بالإضافة إلى أن فاعليتها شبه منعدمة، فيضطر المزارع إلى استخدام كميات كبيرة منها وتكرار التسميد أكثر من مرة بتكاليف إضافية، وأيضًا لا تحقق أي نتائج تذكر نظرًا لأنها غير مطابقة للمواصفات.
 

أسمدة ومنتجات زراعية غير مسجلة


لم تتوقف المخالفات الجسيمة بحسب المصدر، عند حد الأسمدة والمخصبات الحكومية غير المطابقة للمواصفات، ولكنها امتدت لتشمل إنتاج وبيع مركبات حكومية أخرى دون تسجيل رسمي.. وفي هذا الصدد يقول المصدر: "الهيئة العامة لصندوق الموازنة الزراعية، تنتج بعض المركبات غير مسجلة في وزارة الزراعة، وغير مدون على العبوات أرقام تسجيلات أو تشغيلات، وذلك مخالف للوائح وقوانين الوزارة.. هذه المخالفة بالغة الخطورة لأسباب عديدة، فهي من جهة تسمح بإنتاج مركبات كيميائية زراعية غير معتمدة وغير مطابقة للمواصفات، ومن جهة أخرى تفتح الباب واسعًا أمام عمليات الغش التجاري، وتسيء بقوة إلى سمعة المنتجات الحكومية، فضلًا عن إلحاق الضرر الجسيم بالإنتاج الزراعي، والإسهام في تدمير محاصيل زراعية مهمة.


المصدر أوضح أنه من بين المركبات التي يتم إنتاجها دون تسجيل واعتماد رسمي من الجهات الفنية المختصة: "ميكرونيما، وفيري جود، وجرين باور، ونيمابلس، وموازنة، وهاي بوتاسيوم، وهاي فسفور، وهيوم فلف موازنة، وانتي فانجي موازنة، وموازنة جرين جارد، ونيماشيلد".


اضطهاد وظيفي وتعنت بلا مبرر


المصدر أشار إلى أنه عندما تواصل مع المسؤولين، وقدم لهم نتائج تحاليل العينات، توقع أن يتم التحرك فورًا لفحص الواقعة والبدء في مراجعة المنتجات وتصحيح ما بها من أخطاء، ومحاسبة المقصرين، إلا أنه فوجئ باتخاذ إجراءات إدارية ضده، وصدر قرار بنقله من مكان عمله الأصلي، إلى مكان آخر يبعد مسافة طويلة عن محل إقامته، فيضطر للسفر يوميًا مسافة تقدر بنحو 300 كيلومتر ذهابًا وعودة، ليس ذلك فحسب، بل تم تخفيض درجته الوظيفية، بحيث أصبح مجرد موظف عادي رغم حصوله على درجة البكالوريوس، في حين أن رئيسه في المكان الجديد يحمل مؤهلًا أقل منه لا يجيز له تولي منصب قيادي!!

من جانبها، فإن “فيتو” تضع المعلومات الواردة فى هذا الموضع أمام كافة المسئولين، للتحقيق فيها واتخاذ الإجراءات اللازمة فى حالة التأكد منها.. وتفتح الباب للرد وتوضيح الحقائق كاملة.

الجريدة الرسمية
عاجل