بين رفوف الأزبكية وخوادم الذكاء الاصطناعي.. من يملك ذاكرة الكتب (صور)
لا يحتاج سور الأزبكية إلى لافتة تعريفية. يكفي أن تتسلل بين ممراته الضيقة حتى تشعر أنك دخلت مكتبة لا تشبه أي مكتبة أخرى. رائحة الورق المعتق تختلط بصوت الباعة وهم يرددون أسماء الكتب، وصفحات صفراء نجت من الرطوبة والانتقال بين البيوت، وطبعات أولى لروايات اختفت منذ سنوات من أرفف المكتبات الحديثة.
يمر طالب جامعي يبحث عن مرجع لم يعد يُطبع، ويتوقف باحث أمام موسوعة تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، بينما ينحني أحد جامعي الكتب فوق صندوق خشبي يفتش عن عنوان نادر، وكأنه ينقب عن قطعة أثرية.

في هذا المكان، لا تُباع الكتب بالكيلو فقط، كما يعتقد البعض، بل تُباع حكايات، وذكريات، ونسخ ربما تكون الأخيرة من نوعها في السوق.
وبينما يواصل سور الأزبكية أداء دوره المعتاد في حفظ ذاكرة الورق، يشهد العالم سباقًا مختلفًا تمامًا؛ سباقًا على المعرفة نفسها، بعدما تحولت الكتب إلى واحدة من أهم مصادر البيانات التي تتغذى عليها نماذج الذكاء الاصطناعي.

وهنا، يبدأ السؤال: هل غيّر الذكاء الاصطناعي قيمة الكتاب النادر؟
أكثر من سوق… ذاكرة مدينة
منذ أواخر القرن التاسع عشر، ارتبط اسم سور الأزبكية بالكتاب. تغيرت القاهرة مرات لا تُحصى، وانتقلت دور النشر، وأغلقت مكتبات وافتُتحت أخرى، لكن السور ظل محتفظًا بمكانته بوصفه الملاذ الأخير للكتب التي اختفت من الأسواق.
على رفوفه تقف مجلدات التراث، وأعداد المجلات القديمة، وطبعات أولى لكتب أدبية وفكرية، وخرائط، ورسائل جامعية، ومراجع أكاديمية لم تعد متاحة في كثير من المكتبات.

ولذلك، لا يقصده الباحث عن السعر الأقل فقط، بل يقصده أيضًا الباحث عن المعرفة التي يصعب العثور عليها في أي مكان آخر.
عندما أصبحت الكلمات ثروة
على الجانب الآخر من العالم، لم تعد شركات التكنولوجيا تتنافس فقط على تطوير الأجهزة أو البرامج، بل أصبحت تتنافس على شيء أكثر أهمية: البيانات.
فالذكاء الاصطناعي لا يتعلم من الفراغ، وإنما يعتمد على كميات هائلة من النصوص لفهم اللغة وتحليلها وتوليدها. وكلما زادت جودة المحتوى الذي يتدرب عليه، تحسنت قدرته على الإجابة والكتابة.

ومع هذا الاحتياج المتزايد، أصبحت الكتب - خاصة الغنية بالمحتوى - جزءًا من النقاش العالمي حول مصادر بيانات التدريب.
من قاعات المحاكم خرج الجدل
لم تبدأ الحكاية من مواقع التواصل الاجتماعي، كما يظن كثيرون، بل من ساحات القضاء.
ففي عام 2023، أقام مؤلفون وناشرون دعاوى قضائية ضد عدد من شركات الذكاء الاصطناعي، متهمين إياها باستخدام كتب محمية بحقوق النشر في تدريب النماذج دون الحصول على موافقات أصحابها.

ثم كشفت وثائق قضائية لاحقًا عن قيام إحدى الشركات بشراء أعداد ضخمة من الكتب الورقية، وفصل أغلفتها لتسهيل عملية المسح الضوئي وتحويلها إلى نسخ رقمية تُستخدم في التدريب. وكانت تلك الوثائق نقطة تحول؛ إذ نقلت النقاش من سؤال “هل تُستخدم الكتب؟” إلى سؤال آخر أكثر تعقيدًا: “كيف تُستخدم؟”
ومن هنا، انتقلت القصة إلى وسائل الإعلام العالمية، ثم إلى منصات التواصل، حيث ظهرت عبارات مثل “الذكاء الاصطناعي يدمر الكتب” و”الحرق الرقمي للكتب”. لكنها ظلت تعبيرات تعكس مخاوف وآراء، وليست توصيفًا قانونيًا أو حقيقة تنطبق على جميع الشركات.

هل يتغير معنى الكتاب النادر؟
هذه التطورات تفتح بابًا للتساؤل، لا للحكم.
فالكتاب النادر، الذي كان يُقاس بقيمته التاريخية أو الأدبية، قد يكتسب اليوم قيمة إضافية لأنه يحتوي على نصوص لا تتوافر بسهولة في الفضاء الرقمي.
وهنا يبرز سؤال يخص مصر أيضًا: هل يمكن أن تؤدي المنافسة العالمية على البيانات إلى زيادة الاهتمام بالكتب النادرة الموجودة في الأسواق التقليدية، مثل سور الأزبكية؟

حتى الآن، لا توجد أدلة معلنة تشير إلى حدوث ذلك داخل مصر. لكن مجرد طرح السؤال يكشف عن تحول أعمق في طريقة النظر إلى الكتاب، من وعاء للمعرفة إلى مصدر للبيانات أيضًا.
بين الورق والخوارزمية
لا يرى بائع الكتب في سور الأزبكية خوارزميات الذكاء الاصطناعي، ولا يفكر طالب الجامعة وهو يشتري مرجعًا قديمًا في مراكز البيانات العملاقة المنتشرة حول العالم. ومع ذلك، فإن العالمين أصبحا متصلين بطريقة غير مباشرة.
فالكتاب الذي ينتظر قارئًا على أحد الرفوف، يشبه في نظر الباحثين عن البيانات نصًا يحمل مفردات وأساليب وأفكارًا قد تساعد على تطوير نماذج أكثر قدرة على فهم اللغة.

لكن في المقابل، يؤكد متخصصون في الملكية الفكرية أن الابتكار لا ينبغي أن يكون على حساب حقوق المؤلفين أو الناشرين، وأن تطوير الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى أطر قانونية واضحة توازن بين التقدم التكنولوجي وحماية الإبداع الإنساني.
سور الأزبكية… شاهد على زمنين
مع اقتراب الغروب، تبدأ الحركة في السور بالهدوء. يعيد أحد الباعة ترتيب الكتب على رف خشبي، بينما يغلق آخر صندوقًا امتلأ بعناوين لم تجد قارئًا اليوم.
كل كتاب يعود إلى مكانه منتظرًا الغد.
لكن خارج هذا المكان، لا يتوقف سباق المعرفة. خوادم عملاقة تواصل التعلم، ومحاكم لا تزال تنظر قضايا حقوق النشر، وناشرون يحاولون حماية أعمالهم، وشركات تسعى إلى تطوير نماذج أكثر ذكاءً.
وبين هذا العالم الرقمي، وذلك الرف الخشبي الذي يحمل كتابًا تجاوز عمره نصف قرن، يقف سور الأزبكية شاهدًا على زمنين؛ زمن كانت فيه المعرفة تُحفظ بين دفتي كتاب، وزمن أصبحت فيه المعرفة تُقاس أيضًا بحجم البيانات.
ربما لا يملك أحد اليوم إجابة قاطعة عن الكيفية التي ستتغير بها علاقة الكتاب بالذكاء الاصطناعي في المستقبل، لكن المؤكد أن قيمة الكتاب لم تعد تُختزل في سعره أو في عدد صفحاته، بل في المعرفة التي يحملها، وفي الأسئلة الجديدة التي يفرضها على عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة.
ولعل أعظم ما يقدمه سور الأزبكية اليوم، ليس فقط أنه يحفظ كتب الماضي، بل أنه يدفعنا إلى التفكير في مستقبلها أيضًا.
