أسد في البيت.. أرنوب في الشارع
يصطبح الزوج العنيف مع طلعة كل شمس بنظرية ثابتة: أنا الرجل، إذن أنا الأحق بالصوت العالي، ثم ينطلق في جولة تفقدية لأرجاء المنزل، يتأكد فيها أن العفش لا يزال في مكانه، والعيال لم ينقلبوا على السلطة، وأن زوجته لم تكتسب فجأة قدرات سحرية تمكنها من الاعتراض ثم الإفلات دون عقوبة.
هذا الكائن العجيب، بصوت الدكتور مصطفى محمود صاحب العلم والإيمان، الذي قد يكون وديعا في عمله مثل قطة سيامي تبحث عن الرضا، يتحول بمجرد دخوله المنزل إلى مزيج مرعب من القاضي والجلاد.
هو لا يصرخ على مديره لأنه يجب أن نحترم العمل، ولا يتشاجر مع جاره لأن الناس لبعضيها، لكنه يرى في زوجته مسرحًا مفتوحًا لاستعراض رجولته المهزوزة.. وكما قال الشاعر: أسد علي وفي الشارع والشغل وقدام الجيران نعامة.
الزوج العنيف بالطبع لم ينزل من بطن أمه عنيفًا، لكنه غالبًا ما ترعرع في بيئة ترى في الهيبة المزعومة رداءً فضفاضًا يجب أن يرتديه الذكر، ولو كان على حساب أقرب الناس إليه. هو طفل لم يتعلم أبدًا كيف يعبر عن مشاعره بالكلام، فأصبحت يده ولسانه أسرع من عقله، لا يعرف كيف يقول أنا حزين، لكنه بارع في الصراخ قائلًا: إنتي السبب في كل مشاكلي.
هذا الرجل العنيف في بيته يعاني من أزمة هوية، فهو في الخارج يبدو شخصية مهذبة تتعامل وفق قوانين المجتمع، لكنه في المنزل يعوض كل الكبت الإحباطات التي يتعرض لها، لأنه يعتبر البيت مملكته الخاصة التي لا تخضع لأي مساءلة قانونية. هو رجل لا يعرف كيف يطلب الحب، لكنه يعرف كيف يفرض الخوف.
لماذا يختار زوجته تحديدًا؟
لأنها الحلقة الأضعف في معادلة حياته، فهي لا تستطيع تقديم استمارة 6 بغرض الاستقالة من المنزل كما يفعل هو في وظيفته، ولا تستطيع أن تشتكي لأحد بسهولة لأن المجتمع يخبرها منذ طفولتها أن الرجل هو الستر أو السقف، حتى لو كان هذا السقف ينهار فوق رأسها كل ليلة.
هو لا يستطيع مواجهة رئيسه الذي يعامله بقلة قيمة، ولا يجرؤ على الصراخ في وجه صديقه الذي استدان منه المال ولم يعده، لكنه يعوض كل ذلك بالصراخ في وجه زوجته لأن الأكل ناقص ملح، وكأن المشكلة الحقيقية في حياته هي نقص التوابل وليست نقص النضج.. نقص العقل.
هذا الزوج لديه ذاكرة انتقائية مذهلة؛ يتذكر جيدًا أن أباه كان يضرب أمه ويعتبر ذلك جزءًا من التربية، لكنه ينسى تمامًا أن أمه كانت تعيش في قهر مستمر. يتذكر أن المجتمع أخبره أن القوامة تعني السيطرة، لكنه لم يكلف نفسه عناء البحث عن معناها الحقيقي: المسؤولية والرعاية وليس الإيذاء والاستبداد.
وبالطبع، بعد كل نوبة غضب، يعود بنفس الخطاب التقليدي: أنا كنت مضغوطًا، والله ما أقصد!، انتي اللي بتعصبيني، معلش، المرادي بس ومش هتتكرر.
وتمر الأيام، وتصبح المرادي بس هذه هي قاعدة الحياة الزوجية، ومعلش هي التصريح الرسمي لتكرار الكارثة.
والسؤال، مثل هذا الرجل هل يمكن تغييره؟
الزوج العنيف لا يتغير إلا إذا أراد هو ذلك، والأهم أن يواجه نفسه قبل أن يواجه الآخرين، المشكلة ليست في زوجته التي لا تفهمه، ولا في الظروف التي تضغطه، بل في منظومته الفكرية التي تربى وترعرع عليها والتي تحتاج إلى إعادة ضبط مصنع. إذا لم يدرك أنه بحاجة إلى مساعدة نفسية سيظل يدور في نفس الدائرة الجهنمية، يعيد إنتاج أزماته على حساب أقرب الناس إليه.
في الختام يا عزيزي آدم، العنف ليس علامة قوة، بل علامة ضعف شديد لا يستطيع صاحبه الاعتراف به.
