رئيس التحرير
عصام كامل

تجربتي مع الرئيس الديكتاتور

غالبًا ما يظن أغلب قادة الاستبداد والقهر في دول العالم الثالث، أن ما نهبوه من ثروات شعوبهم قد يجعلهم في مأمن وترف وراحة بال، في حال تعرض أي منهم إلى ثورة أو انقلاب أو أي من أنواع التمرد على نظام الحكم، التي باتت منذ عقود بمثابة سمة سائدة وطبيعة تميز بلدان دول العالم النامي.

ولا أخفى أن ذلك الظن ظل يشكل شبه يقين بداخلى مع توالى الانقلابات والثورات على حكم العديد من الأنظمة الدكتاتورية خلال حقبة التسعينيات، وهروب العشرات من قادة الاستبداد خارج بلادهم، كان أشهرهم في ذلك الوقت، شاه إيران السابق محمد رضا بهلوي الذي لم يُرحب به في العالم سوى الرئيس الراحل أنور السادات، والرئيس الأوغندي عيدي أمين، الذي احتضنته المملكة العربية السعودية.

 

وظللت على تلك القناعة، إلى أن جمعني القدر في عام 2000 بالرئيس عيدي أمين، في لقاء غير مرتب بمدينة جدة، لأجد نفسى فجأة أمام الرجل الذي وصل فرط دكتاتوريته إلى حد نسج العالم عشرات القصص الخيالية عنه، وصلت إلى اتهامه بأنه من أكلة لحوم البشر.

ولمن لا يعرف عيدي أمين، فهو دكتاتور دموى حكم أوغندا منذ عام 1971 وحتى عام 1979 عقب انقلاب عسكري أطاح خلاله بالرئيس ميلتون أوبوتي وظل طيلة 9 سنوات يحكم البلاد بالحديد والنار، ويمارس كل أنواع الانتهاكات لحقوق الإنسان والتمييز العنصري وتصفية السياسيين والإعدامات الظالمة، لدرجة أن منظمات حقوقية دولية قدرت أعداد القتلى خلال فترة حكمه بنحو 500 ألف قتيل.

آخر ملوك أسكتلندا

 

حجم التعالى والغرور والانفراد بالسلطة، وصل بعيدي أمين إلى حد منح نفسه عشرات الألقاب المثيرة والمضحكة، منها آخر ملوك أسكتلندا، التي كان مولعًا ببروتوكولات عائلتها الملكية، إلى جانب قاهر الإمبراطورية البريطانية، والحاج، وصليب النصر، والمارشال، والدكتور، لدرجة أنه كان يحلو لبعض منافقيه وحاشيته جمع كل هذه الألقاب في جملة واحدة بالقول: فخامة الرئيس المارشال الحاج الدكتور عيدي أمين دادا.

 

العجيب أن عيدي أمين كان يظن أنه اقتصادي بارع، لدرجة بدلا من جذب الاستثمارات لبلادة، قرر بعنصرية وجهل شديدين، طرد كافة الهنود الذين جاءوا إلى أوغندا خلال فترة الاحتلال البريطاني، وأسسوا بها كيانات اقتصادية ضخمة، ظنا منه أنه يقوم بعملية تحرير اقتصادي، وهو ما جعل بريطانيا ترحب بهم وبأموالهم التي كانت تشكل عمادا للاقتصاد الأوغندي، في واقعة شهيرة عرفت في ذلك الوقت بقضية الهنود الأوغنديين.

 

ولأن الرئيس الأوغندي ظل حتى بعد خلعه مسار جدل عالمي، فقد فرض نفسه كمادة مثيرة تناولها صناع السينما في العديد من الأعمال الوثائقية والروائية العالمية، كان أشهرها "عيدي أمين يرسم نفسه" من إخراج الفرنسي الشهير باربرت شرودر، و"آخر ملوك أسكتلندا" الذي نال عنه الممثل العالمى فورست ويتكر جائزة الأوسكار أفضل ممثل عام 2006.

 

ولأن لقائي به كان ضيقا للغاية، وتحديدا بمحل حلاقة بشارع فلسطين بمدينة جدة، واقتصر على 4 أفراد بينهم اثنان من طاقم المحل، وشخصان يهذبان شعريهما، فقد كان بمثابة فرصة لحديث قد لا يتكرر كثيرا مع دكتاتور دموى، كانت أصداء جرائمه تتردد في العالم حتى ذلك الحين.

أنا وعيدي أمين

ولا أخفى أنها كانت مفاجأة، عندما بادرني صديقي الحلاق وهو يشير إلى الشخص الوحيد الذي كان يجلس بجواري منتظرا دوره في الحلاقة في هدوء، وقال: ألا تعرف فخامة الرئيس عيدي أمين، فنظرت له متعجبا شكا أنه يمزح، غير أننى نظرت إلى من يجلس بجواري على الفور فتيقنت أنه هو، في الوقت الذي كان صديقي الحلاق قد بدأ حديثه وعرفه بى، فوقف مسرعا باتجاهي، غير أنه كان قد سبقنى بأدب جم، فتبادلنا التحية والحفاوة.

 

وعلى الرغم من أن أغلب تلك الشخصيات في الغالب ما يزعجها وجود الصحفيين، إلا أنه بمجرد أن جلسنا بادرني عيدي أمين بود قائلا: أنا أحب مصر والمصريين وعاشق لحضارتكم، فقلت: ونحن نحبكم أيضا، فنحن والأوغنديون نرتوى من مياه نهر واحد، فرد ضاحكا قائلا: نعم هذه حقيقة، وأخرج من حافظته عدة أوراق نقدية من عملة أوغندية عليها صوره، وأهداها لي كتذكار.

 

وبعد حديث مليء بالمجاملات عن مصر وأوغندا، وحكايات عن فترة حكمه وصراعاته، بادرته قائلا: ولكن ما حال الرئيس عيدي أمين بعيدا عن أوغندا؟ ورغم أننى كنت أتوقع إجابة روتينية فورية، إلا أن واقع السؤال بدا وكأنه جاء على الجراح، وهو ما جعله يصمت لثوان، وبدت ملامح الانكسار تعلو وجهه، وقال متسائلا بحزن: وهل تظن أنني سعيد بعيدا عن أوغندا؟


قلت على الفور: ولم لا؟، لقد كنت رئيسا لدولة عريقة، وحكمت شعبًا يمتلك تاريخًا وحضارة، ومازال العالم يذكرك حتى اليوم، وأعتقد أنك- كما قرأت- تمتلك من المال والثروة ما يجعلك سعيدا.. ولن أنسى تلك الابتسامة المتهكمة، وملامح وجهه الحزين، ونظراته الشاردة، قبل أن يجيب بحزن وصوت منكسر قائلا: ولا أموال الكون تعوض حاكمًا عن حب شعبه والعيش في دفء وطنه.

 

قلت: هل أنت نادم؟
فرد سريعا: بالتأكد لا، لم أندم، فما فعلت شيئا أندم عليه، فما أقدمت على اتخاذ قرار إلا كان في صالح أوغندا، غير أننى بت مجبرا على تقبل وضع بعينه، ولابد أن أحترم قوانين وعادات البلد الذي أقيم فيه.

قلت: وماذا لو عاد عيدي أمين للحكم؟
قال: ولو أنك تتحدث عن شيء لن يكون، إلا أن نظرتى لكثير من الأوضاع والقرارات سوف تتغير بالتأكيد، غير أننا نتحدث عن مستقبل لن يأتى ولن يفيد الحديث فيه.

 

 

ورغم أن حديثي مع عيدي أمين زاد على الساعة، ظل خلالها يروى بحزن فصولا من فترات حكمه حتى وهو على كرسي الحلاقة، غير أننى خرجت منه وأنا على يقين بأن جنون العظمة والغرور والعنف سمات تجمع بين كل دكتاتوريي العالم، غير أن مصيرهم في النهاية لا يخرج عن الموت قتيلا، أو ذليلا منكسرا في الغربة.. وكفى.

الجريدة الرسمية