رئيس التحرير
عصام كامل

تجربة تعليمية ملهمة

بعيدا عن فكرة الانبهار الذى كان عنوانا لحدث تعليمى فريد لثلاث ساعات متواصلة كنا فيها تحت إدارة مجموعة من طلاب الثانوية لعرض واحدة من تجارب التعليم فى مصر، ننقل تفاصيلها إيمانا بأن المستحيل لا مكان له إذا ما أراد المصرى التحدى.


بدعوة من خبير التعليم المعروف الدكتور المندوه الحسينى، شاركت مع عدد من الزملاء المتخصصين فى الملتقى التعليمى السادس الذى تقيمه مجموعة مدارس الحسام الخاصة.


وبعيدا عن حساسية موروثة عن الكتابة عن التعليم الخاص، فإن واقع التجربة التى رأينا تجسيدا لها كان حافزا أكبر للقول بأن التعليم الخاص فى مصر أصبح صاحب مبادرات لا يمكن إنكارها.
يهرب طلاب الثانوية من مدارسهم إلى أخطبوط السناتر دون حل تقدمه أى مؤسسة تعليمية فى البلاد، فماذا يكون الحال لو أن المدرسة استقدمت المدرسين الذين يختارهم الطلاب؟


هذا هو الجزء الأول من تجربة المندوه الحسينى؛ أن يختار الطلاب مدرسيهم.. استقدم كل مدرس اختاره طلاب مدارسه، فكانت النتيجة حضورا يقارب المائة فى المائة. أولياء الأمور سجلوا انطباعاتهم عن التجربة بعد أن اطمأنت قلوبهم إلى وجود أبنائهم وبناتهم فى مكان آمن مع سيطرة المدرسة الإشرافية، ودون أية أعباء مالية إضافية.

تجربة المندوه الحسينى


أعاد المندوه الحسينى فى تجربته الجديدة فكرة التربية الموازية مع التعليم، فأحيا فى نفوس الطلاب قيما إنسانية كانت قديما واحدة من أدوار المؤسسة التعليمية، فطلب من تلاميذه تسجيل لحظات إنسانية مع الآباء والأمهات، وزار مع تلاميذه المعوزين والمحتاجين فى دور الأيتام والمسنين، ورأينا فيلما وثائقيا يسجل لحظات إنسانية أبطالها هم أبناء المدرسة، بشكل يفرض علينا تعميم النموذج لإعادة بهاء التعليم ونضارته وقيمه إلى ما كانت عليه.


هل تتخيل طلابا يديرون مدرستهم ويصبح المعلمون والمشرفون جزءًا من الإدارة الخلفية.. هذا ما قدمته تجربة المندوه الحسينى مع تلاميذ وطلاب مدارسه تحت عنوان الانضباط الذاتى داخل وخارج الصف، مع منح نقاط إيجابية وأخرى سلبية تجمع نهاية كل شهر ليثيب المنجزين برحلات ترفيهية ويعاقب المخطئين بالمنع من الرحلات.


تغيير البيئة الصفِّيَّة كان عنوانا مثيرا لطلاب وتلاميذ يدرسون حصص التاريخ فى المتحف المصرى مثلا أو داخل حديقة من متنزهات القاهرة الكبرى، أو نماذج أخرى تقفز بالطلاب خارج حدود الفصل الدراسى، ليكسر حاجز الملل ويغير من طبيعة العملية التعليمية.


قد يزور طبيب المدرسة تلميذا تعرض لوعكة صحية أو عانى مرضًا ما.. كان عنوانا أيضًا من عناوين تجربة تعدت حدود العملية التعليمية إلى متابعة صحية فى المنزل.


أما فكرة إعادة المدرس المربى فقد ذكرتنى بما حظينا به أيام أن كان فى بلادنا تعليم حقيقى، حيث يصبح المدرس أبا أو أخا أكبر لتلاميذه، يشاركهم أفراحهم وأتراحهم، ويصبح دليلا لهم فى طموحاتهم وأحلامهم ومستقبلهم.. طبقها المندوه  الحسينى بذكاء، فكانت نتائجها ارتباط الطالب بمدرسته باعتباره البيت الأوسع لأحلامه.


يتلقى الطالب درس الغد مصورا بالفيديو على رابط تشويقى يوقظ فيه ملكات استمطار الأفكار، ليحضِّر درسه فيصبح مشاركا فى العملية التعليمية وليس متلقيا فقط. 

 

عرض على الحضور فيديو لأحد تلاميذ المدرسة، والذى غادرها لأسباب عائلية، غير أنه أراد أن يزور رفاقه وأساتذته، فاتصل بأحد المشرفين ليحقق له حلمه فى الزيارة. سجلوا لحظات دخوله إلى فصله واحتضانه لمعلمته.. 

 

كان المشهد مؤثرًا للغاية، وعندما وضع على وسائل التواصل الاجتماعى حقق مشاهدات فاقت الملايين الثلاثة، فلم يكن من الدكتور المندوه الحسينى إلا إعادة التلميذ إلى فصله، بصرف النظر عن الأمور المادية، وحقق حلم تلميذ فى استمرار الارتباط بمدرسته ومدرسيه وزملائه.


حجم التجربة وتداعياتها وأثرها كان باديا على وجوه الحاضرين، مزيج من خبرات تعليمية تربوية خلقت حالة إنسانية لم أتصور أن مؤسسة تعليمية قادرة بمفردها على تحقيقها بهذا النجاح.

 


وخلاصة اليوم المدهش أننا قادرون على إعادة ريادتنا للتعليم فى محيطنا إذا ما أُخلصت النوايا وآمن القائمون على أمر التعليم أن بيدهم مستقبل هذا البلد، وأنهم نواة التطور والتقدم والانطلاق.
دراسة التجربة ونتائجها وآثارها من الجهات الرسمية قد تصبح أمرا واجبا نطرحه على الدكتور رضا حجازى وزير التعليم، تعميمًا لفائدة مرجوة نراها باتت ملحة وضرورية لإصلاح أحوال التعليم فى مصر.

الجريدة الرسمية