رئيس التحرير
عصام كامل

مدرسة الشاذلي (5).. ابن ماخلا.. جمع علوم الظاهر والباطن

وما زلنا نتجول بين ردهات مدرسة سيدي أبي الحسن الشاذلي، رضي الله عنه، ونستكشف رجالها، ونتعلم من رموزها. وسنتحدث اليوم عن قطب كبير من أقطابها هو سيدنا داود بن ماخلا، وهو غوثُ الأصفياء، وقطبُ الأولياء، الإمام الكبير، والعالم الشهير، مُرّبي المريدين، وموصلُ السالكين؛ شرف الدين أبو سليمان داود بن ماخلا الإسكندري الشاذلي، رضى الله عنه.

 

كان من العلماء الراسخين المتمكنين، وكان جامعًا بين علمي الظاهر والباطن، رغم أنه كان أُمِّيًّا، وله مؤلفات عجيبة شرحَ فيها أحوالَ القوم، وتكلَّمَ على أسرارهم وعلومهم ومنازلاتهم، منها كتاب عيون الحقائق، وكتاب اللطيفة المُرضيَة في شرح دعاء الشاذلية، وله شرح على حزب البر وآخر على حزب البحر.

 

شرطي الوالي

 

وكان رضى الله عنه في بدايته شرطيًّا ببيت الوالي بالإسكندرية، وكان يجلسُ تجاه الوالي، وبينهما إشارةٌ يفهمُ منها وقوع المُتَّهم أو براءته، فإن أشارَ إليه أن المُتَّهمَ بريء برَّأَهُ، وعفا عنه، وإن أشار له غير ذلك اقتصَّ منه، وعامله بما يستحقُّه. وصحب تاج الدين ابن عطاء الله السكندري. وكان رضى الله عنه زاهدًا ورعًا، ويكفي في مناقبه أنَّ تلميذه سيدي محمد وفا الشاذلي.

 

توفي رضى الله عنه بالإسكندرية عام 730 هـ الموافق 1331م ومقامه في شارع متفرع من شارع الحجاري في رأس التين بالإسكندرية، ومسجدٌ كبيرٌ تُقام فيه الشعائر. اللهم انفعنا بمحبته، واسلك بنا على طريقه. كان يتمثل بقول: 

لقد ظهرت فلا تخفى على أحد      إلا على أكمه لا يعرف القمرا

ثم استترت عن الأبصار يا صمد  وكيف يظهر من بالغرة استترا

 

من أقواله:

 

في كتابه المسمى بعين الحقائق في قول صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى.. على قدر ارتقاء همتك في نيتك يكون ارتقاء درجتك عند عالم سريرتك. وكان رضي الله عنه يقول: إنما كانت العلل والأسباب لوجود البعد والحجاب، ومن استنار قلبه علم أن الخضوع لرب الأرباب حتمٌ لازمٌ للعبد من غير العلل.

 

وكان يقول: للولي نوران؛ نورُ عطفٍ ورحمة يجذب به أهلِ العناية، ونورُ فيضٍ وعزة وقهر يدفع به أهل البعد والغواية، لأنه يتصفح بين دائرتي فضلٍ وعدل، فإذا أقيم بالفضل ظهر فجذب فنفع، وإذا أقيم بالعدل والعز حجب فخفي ودفع، ولذلك أقبل بعضٌ وأدبر بعض.

 

ومن أقواله رضي الله عنه: كلما ازداد علم العبد زاد افتقاره ومطلبه وعلت همته، لأنه في حال جهله يطلب العلم، وفى حال علمه يطلب جلاء العلوم، والمعلومات درجات لا غاية لمنتهاها ولا حد لعلو مرماها، فوا عجبًا من لوعة كلما ارتوت زاد تأجهها وضرامها.

هدف العبادة

وكان يقول: لا يكن أكبر همك من العبادة إلا القرب من المعبود دون الأجر والثواب فإنه إذا مَنَّ عليك بالدخول إلى حضرته فهنالك الأجور وأعلى منها، ثم ينعم عليك حتى تكون أنت منعمًا على ذلك. وكان يقول رضي الله عنه: لسان العارف قلم يكتب به في ألواح قلوب المريدين فربما كتب في لوح قلبك ما لم تعلم معناه وبيانه عند ظهور آياته.

 

وكان يقول: العارف أثره في الآخذين عنه بإمداده وأنواره أكثر من آثارهم فيهم بأذكارهم وأعمالهم. وكان يقول: إقبال القلب على الله حسنة يُرجى أن لا يضر معها ذنب وأعراض القلب عن الله سيئة لا يكاد ينفع معها حسنة. ويقول: من أعجب العجب، محب وقف بباب غير باب الحبيب.

 

وكان يقول: إن أردت سلوك المحجة البيضاء والوصول إلى ذروة أهل التقى والاقتداء بأهل الرتبة الأولى فإياك أن تجعل دينك وإيمانك من نتائج العقول والأفكار أو مستندًا إلى أدلة النظر بل عرج إلى المحل الأعلى والمنزل الأعز الأحمى واستمد البركات والأنوار من رسول الله صلى الله عليه وسلم، واسأل الله تعالى أن يمن عليك بمدد من عنده يغنيك به عن كل شيء سواه ويهديك بنوره إليه حتى لا تشهد في ذلك إلا إياه، وقل رب إني أعوذ بك أن يكون إيماني بك، وبما أنزلت وبمن أرسلت مستفادًا من فكرة مشوبة بالأوصاف النفسية أو مستندًا إلى عقل ممزوج بأمشاج الطينة البشرية بل من نورك المبين ومددك الأعلى ونور نبيك المصطفى.

 

 

وكان رضي الله عنه يقول: يرسل الوالد الشفوق ولده الطفل إلى الطبيب من حيث لا يشعر الطفل ويقال له تلطف به ولا تشقق عليه وإكرامك علينا ولا تكلفه معرفة دائه ولا معرفة مداواته، كذلك يقال للعارف داوِ مرضى عبادنا إذا أتوك بتيسيرنا وهم لا يشعرون ولا تكلفهم معرفة دائهم ولا معرفة مداواتهم فإنهم ربما شق ذلك عليهم وعاملهم كما عاملناهم فإنك داعٍ إلينا ومطالب بحقنا فقد دعوناهم إلى حضرتنا وجنتنا وهم بها غير عالمين وبكنه حقائقها على الحقيقة غير عارفين.

الجريدة الرسمية