رئيس التحرير
عصام كامل

هل هناك إعلام محايد؟! (3)

الإعلام الغربي في الحرب الأوكرانية الروسية مارس كعادته انتقائية بغيضة لنشر ما يخدم أجندته واستبعاد أو تهميش الرأي الآخر الذي يحاول عرض الأمر من وجهة النظر الروسية حول أسباب ودوافع ومبررات تلك الحرب التي يتحمل الغرب بالتأكيد جانبًا غير هين في إشعالها؛ ذلك أنه لم يستمع بجدية لمخاوف روسيا من تمدد حلف الناتو شرقًا على حدودها، بل إنه ربما سعى لجرجرة الدب الروسي لحرب استنزاف طويلة في المستنقع الأوكراني.. 

 

وكان يمكن للغرب لو أراد أن يطفئ نار الصراع عبر وساطة وتهدئة تنزع فتيل الأزمة قبل اشتعالها لإنقاذ العالم وشعوبه المغلوبة على أمرها من مغبة أزمة اقتصادية طاحنة تنذر بكوارث ومجاعات واضطرابات لا قبل لأحد بها وقد بدأت تلوح إرهاصاتها في الأفق جنونًا في الأسعار ونقصًا في إمدادات الغذاء والسلع وهو ما أكدته الأمم المتحدة التي توقعت مجاعة كبيرة إذا استمرت تلك الحرب التي يشعلها ويغذيها أصحاب المصالح والقوى الكبرى.


الغرب لم يكتف بحرب التشويه ضد روسيا بل سعى لإسكات صوت الأخيرة وحظر قنواتها الرسمية وعلى رأسها روسيا اليوم وسبوتنيك اللتين جرى منعهما من بث رسالتهما الإعلامية، كما قامت شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى التي تدير منصات جوجل وتويتر وفيس بوك بمنع وسائل إعلام ممولة من روسيا من استخدام تقنياتها وحرمانها من جمع إيرادات إعلانية عبر تطبيقاتها ومواقعها، وفي المقابل سمحت لوسائل إعلام غربية في أوكرانيا بنشر محتوى غير موثوق وفيديوهات وأفلام وتقارير مزيفة حول الذعر الذي ينتاب المدنيين الأوكرانيين جراء إطلاق صافرات الإنذار..

 

الإعلام والصراعات الدولية

 

فضلًا عن عرضها صور أسرى وآليات روسية مدمرة تبين أنها غير حقيقية.. ورغم ذلك فلا نبريء إعلام روسيا من ارتكاب انتهاكات أخرى؛ من بينها وصف الحرب الأوكرانية بأنها عملية عسكرية خاصة  كانت لازمة وضرورية لمنع توسع الناتو شرقًا وتقليل التهديد الأمني للحلف، وإظهار جوانب التفوق الروسي في تلك الحرب مع التعتيم على خسائره فيها.


تعامل الإعلام غربيًا كان أو روسيًا مع الحرب الأوكرانية يجسد لنا حقيقة الدور لجديد الذي يلعبه الإعلام في إدارة الصراعات الدولية؛ وهو دور مدمر للصورة الذهنية للشعوب ما لم يكن للدول رصيد من شبكة العلاقات العامة مع الدوائر الإعلامية العالمية.. كما أثبتت تلك الحروب الملعونة التي فاقت خسائرها المبدئية 600 مليار دولار أن الإعلام بات سلاحًا فعالًا يجري توظيفه لقلب موازين القوى بل لعله أهم أدوات الاشتباك الجديد بين الدول متجاوزًا دوره التقليدي في نشر الحقائق وصناعة الوعي والتنوير وتسليط الضوء على قضايا إنسانية تهم الناس وتأخذ بأيديهم إلى بر الأمان.


الحرب الدائرة الآن كشفت عن غياب المصداقية عن وسائل إعلام كان البعض يراها محايدة وموضوعية لكنها وقعت في فخ الكذب والخداع وهو أمر ليس مصادفة بل مقصود ومسيس دفع إعلام الغرب أحيانًا للاعتماد على تقارير من مصادر مجهولة متجاوزًا قواعد وأصول العمل الإعلامي الرصين الذي يفترض أن يعلي الحقيقة على ما سواها من اعتبارات.


للأسف بات الإعلام وسيلة لإدارة الحروب والخلافات السياسية بين الدول في عصر الأزمات ومن ثم فلا مناص من إعادة تقييم تلك التجربة دوليًا وبناء كوادر متخصصة تستطيع مخاطبة الخارج بلغة يفهمها  والأهم أن يقتنع بها في ظل هذا الطوفان الإعلامي غير المحايد وما نتعرض له من حرب شائعات وأكاذيب تستهدف أمننا القومي.


وإذا كنا لا نعرف متى تضع تلك الحرب أوزارها ولا نتائجها وتداعياتها النهائية على الشعوب والدول.. لكن المؤكد أن الكل خاسر فيها.. وأن الشعوب سوف تدفع الثمن من أمنها واستقرارها ومستقبلها.. وأن العالم بعدها لن يكون كما كان قبلها.. 

 

ويبقى الأخطر هنا أن عندنا من تربح من تلك الأزمة حين استبق الأحداث ومارس الجشع والانتهازية وتاجر بالأزمة وتربح بقوت الغلابة ليكسب أموالًا حرامًا ويعرض السلام الاجتماعي للخطر وهي جريمة ترقى للخيانة.. وهؤلاء مثلهم مثل مجرمي الحرب ينبغي التصدي لهم والأخذ على أيديهم، فليس لديهم ضمير ولا نخوة ولا يراعون للوطن حرمة ولا يقدرون حجم تحدياته ظروفه.. وينبغي ألا يفلت هؤلاء بجرائمهم التي لن تسقط بالتقادم. نخلص من كل ذلك أنه لا يوجد إعلام محايد وخدعوك من يقولون غير ذلك.

الجريدة الرسمية