رئيس التحرير
عصام كامل
Advertisements
Advertisements
Advertisements
Advertisements

المركز القومي للمشاعر (7)

Advertisements

لأسابيع لم يظهر الكومندان كرم الحافي في أرجاء المملكة، فلا أحد يعرف إلى أين ذهب هو ونفر من معاونيه. هل ذهبوا جميعا إلى نهر المشاعر لينفذ خطته التي تستهدف الاستيلاء على الحكم؟ أم أن أمره قد انكشف وقضي عليه؟! هذه الأسئلة وأكثر تتضاءل أهميتها قياسا إلى تساؤلات أخرى تبحث عن إجابات شافية، فما السر وراء ميلاد تلك الرغبة المشتعلة في صدر الكومندان من أجل الاستيلاء على الحكم؟ تلك شهوات قد دفنت منذ عقود في مملكة خوفو، ففي وجود الخوف لا مجال للأحلام والتطلعات..

 

قبل أسابيع كان كرم الحافي في بيته، يجلس على أريكة خشبية مبطنة بجلد حيوان بري شارد الذهن، بينما كانت زوجته فريدة الكومي تصنع له مشروبا من الأعشاب في مطبخها الواسع المطل على حديقة بها أشجار وارفة، وحين اقتربت منه لتضع أمامه المشروب لم يلحظها، وكأنها نسمة عابرة في شتاء قارس البرودة. صاحت فريدة في زوجها لينتبه، بعد أن ندهته بصوتها الرقيق عدة مرات، فغشيته رجفة هائلة وكأن حية قد لدغته، فاقتربت منه امرأته وسألته عما يشغل باله إلى هذا الحد، غير أنه لم يجبها وظل صامتا.

 

في هذه الاثناء، دخلت بهية ابنة كرم وفريدة، وهي صبية في الثانية عشر من عمرها، لها من اسمها نصيب كبير، فهي بهية الطلعة، ولولا الخوف السائد في هذه المملكة العجيبة لكان لها شأن آخر فهي كما الزهرة اليانعة، حين تسقط أشعة الشمس على وجهها تراه يلمع كليرة الذهب، بينما عيناها تشبهان المحيط.. زرقاوان وبهما عمق يتوه شيوخ الملاحين.

 

اقتربت بهية من والدها في هدوء فاحتضنها، في حين بقيت الأم تراقب المشهد المعتاد، حيث يخلل الأب شعر ابنته الذي يشبه سلاسل الذهب بأصابعه، وهو يقبل جبينها المضيء، فيما فرت من عينه دمعة وانسابت على خده، فلما انتبهت الأم لذلك، طلبت من ابنتها الذهاب إلى غرفتها، لتنفرد بأبيها وتعرف منه ما يعتمل في صدره..

 

كالمهر غير المروض، رفضت الابنة الانصياع لطلب والدتها، وأصرت على أن تبقى حتى تري لأبيها تمثالا من الطين لحصان صنعته بنفسها، فحاول الرجل أن يعبر عن إعجابه بما رآه من ابنته، غير أن مشاعر الخوف كالعادة كان لها السبق، بل لم يكن ل مشاعر أخرى أن تظهر، وكذا فعلت الأم، فكما نعرف في مملكة خوفو لا مكان ل مشاعر غير الخوف.

مشاعر فرح

 

ربت الرجل على كتف ابنته، وشجعها ببعض الكلمات، معبرا عن إعجابه بصنيعها، لكن كلامه بالطبع لم ترافقه مشاعر ملائمة تؤكد صدقه، غير أن شيئا غريبا قد حدث.. 

البنت.. فريدة، ارتسمت على ملامحها مشاعر فرح خجولة، ورغم أنها لم تكتمل إلا أنها كانت كافية لبث الرعب في نفسي والديها، فمن اين لها بهكذا مشاعر حتى وإن كانت غير مكتملة؟!

تبادل الوالدين النظرات في خوف رهيب، وقامت فريدة مصطحبة بهية إلى غرفتها دفعا، ثم عادت لزوجها الذي كانت ملامحه متوارية خلف جبال من الخوف.

 

- هل رأيت ما رأيته أنا؟

- لولا سؤالك هذا لاعتقدت أنني كنت أحلم.. هل فعلا كادت ابنتنا تفرح؟!

- الأمر خطير وأنا..

 

قبل أن تكمل الأم كلامها، قاطعها زوجها، وأخبرها بأن هناك سر خطير يجب أن يبوح لها به، مؤكدا لها أنه لولا أن رأى ما رأى من ابنته لما حدثها في ما سوف يحدثها به خوفا عليها..

شعرت الأم بجرعة خوف مضاعفة، كمن تجرع ثلاثين فنجانا من القهوة دفعة واحدة، وطالبت زوجها بأن يسرع في حديثه فالرعب يجتاح كل ذرة في جسدها النحيل الذي من فرط ارتجافه يكاد من يراها يعتقد أنها تقفز في الهواء.

 

قام الكومندان كرم لحافي، وراح يتأكد من أن الأبواب جميعها مغلق، وكذا النوافذ، ليضمن أن أحدا لا يسترق السمع، ثم جلس إلى جوار زوجته، وأخبرها أنه ينوي ومجموعة من مساعديه أن يذهبوا إلى نهر المشاعر من أجل الحصول على كميات كبيرة منه، شارحا لها خطته في الاستيلاء على الحكم، من أجل إعادة الحياة إلى طبيعتها، فلما أبدت انزعاجها مما سمعت، ذكرها بابنتهما، وأنهما لطالما عبرا عن رغبتهما في أن تعيش فتاتهما في عالم آخر، عالم يتمتع من يحيا فيه بحرية الشعور والتعبير عما يعتمل في صدره..

 

- كم مرة تحدثنا سويا عن ذلك العالم الذي نريده لبهية، عالم يمكنها فيه أن تحلم بلا خوف، وأن تفرح وتغضب وتختبر كل أنواع المشاعر، وليس الخوف فقط؟!

- لكن ما تفكر فيه خطر.. خطر كبير، أخشى أن تضيعنا معك.. إن العيش في خوف أفضل من الموت في سبيل الحصول على مشاعر أخرى حتى وإن كانت مشاعر الفرح..

- لا حياة مع الخوف.. إن الخوف هو الموت، هو انعدام الحياة بكل ما فيها من جمال..

- لكل منا أولوياته..

- أأنتي من تقولين ذلك.. هل نسيتي ما حدث لأبيك قبل سنين طوال..

 

 

صمتت فريدة، وسافرت بذهنها تعتصر ذكريات الماضي البعيد، حين قتل أبيها على يد أعوان الحاكم، فقط لأنه تجرأ وحلم، وفي حلمه لم يرى الخوف، وحين قص رؤياه على الحاكم أمر بقطع رقبته.. لف الصمت المكان، وبقي الزوجان في ثبات عميق، يغلفه خليط من الخوف بدرجاته المختلفة، إلى أن انقضى يوم وليلة.

في الصباح الباكر، خرجت فريدة من بيتها قاصدة قصر الحاكم، وهناك أخبرت حراسه أنها تريده في أمر جلل، فلما سمح لها بالدخول، قالت بصوت مرتعش والدموع تملأ مقلتيها..

- أريد أن أبلغ عن زوجي سيدي الحاكم!!

Advertisements
Advertisements
الجريدة الرسمية