رئيس التحرير
عصام كامل

هل أصبح الزواج جريمة مكتملة الأركان.. خبراء: 90% من حالات الطلاق لأسباب اقتصادية

خلافات زوجية - صورة
خلافات زوجية - صورة تعبيرية

النسب المجنونة لحالات الطلاق تدفع الخبراء والمحللين إلى وصفه بعد أن كان حالة استثنائية غير مألوفة فى مجتمعنا العربى والمصرى بـ"الظاهرة" والحل السهل فى يد الزوجين حتى يتخلص كل منهما من الآخر.

العديد من الأسباب التى تتداخل وتتضافر فيما بينها لتفرز النتيجة ذاتها وتؤدى لنفس النهاية، وهى الطلاق قد يكون فى العام الأول من الزيجة، أو قد يفرز أبناء يصل عددهم إلى الملايين الذين يأتون إلى حياة يكون فيها الأب فى مكان والأم فى مكان آخر. 

وقد تواصلت "فيتو" مع علماء نفس واجتماع للوقوف على أسباب زيادة معدلات الطلاق فى مجتمع عربى وشرقى مثل المجتمع المصرى، وكيف تحول أبغض الحلال إلى حل سريع وناجز للتخلص من المشكلات والضغوط التى أكد العديد من علماء النفس إلى أن معظمها أو جزء كبير منها أسباب وضغوط اقتصادية.

وأكد الدكتور إبراهيم مجدى، استشارى الطب النفسى، أن سبب ارتفاع معدلات الطلاق فى مصر خلال الفترة الأخيرة لا يرتكز على جانب واحد ولكنها أسباب عديدة نحو 90% منها أسباب اقتصادية فقط ثم تأتي بعد ذلك الأسباب النفسية والاجتماعية، ويعود جزء منها للأسباب الدينية، فيقول: "الفتاة والفتى الذين يتزوجون لا بد أن يكون لديهم فرش بشكل فلانى وبيت ومرتب بصورة معينة أو منزل فى مكان ما، وكذلك فى القرية تختلف الطلبات ولكنها أيضا تعجيزية و(قايمة) بأرقام فلكية، فكل هذا أسباب اقتصادية".

 

الأسباب النفسية

أما فيما يتعلق بالأسباب النفسية فيشير "مجدى" إلى أنه وبعد اجتياز الخطوات الاقتصادية كلها، والانتهاء من صراعات التجهيز والمنزل والمرتب والمصروفات وغير ذلك يكتشف الطرفان أنهما غير متجانسين نفسيا، وكانا يغفلان هذا الأمر بسبب انشغالهما بالأمور الاقتصادية التى تتضافر جنبا إلى جنب مع الأمور النفسية فضلا عن عدم التورع من فكرة الطلاق كونه أبغض الحلال عند الله تعالى.

ويتابع فى هذا الشأن خلال حديثه لـ«فيتو» قائلًا: «هو رأي شكلها حلو وأهلها معهم أموال وهى رأت أنه يمتلك أموالًا ووظيفته جيدة، ولم يبحثا فى شخصية كل منهما، المظاهر خادعة وتجعل الشخص يتغاضى عن المشاعر، ولهذا السبب تنتشر ظاهرة الطلاق فى السنة الأولى بسبب تشجيع بعض العائلات للفتاة (دعيه يطلقك وستحصلين على ما تريدين ستحصلين على النفقة وكذا وكذا) خاصة إذا كانت لم تنجب أطفالًا، فلم يعد مثلما كان فى الماضى الطلاق "وصمة" فى المجتمع، بل أصبح هناك تشجيع فى المجتمع على الطلاق».

ويعيد أيضًا "مجدى" أحد أهم أسباب ارتفاع نسب الطلاق فى هذا الوقت، إلى قانون الأحوال الشخصية الحالى وسهولة تلاعب المحامين به وتطويعه وفقا لرغبتهم، فأصبحت هناك حالة من التشجيع للزوجة على الانفصال لتحصل على الامتيازات التى كفلها قانون الأحوال الشخصية دون البحث عن حل آخر لمشكلاتها مع زوجها وفقا لرأيه، كما شدد على أن المواطنين فى مصر يعد لدى الكثير منهم الوازع الدينى، فيبغضون الطلاق ويبعدونه كحل لأية مشكلة مجتمعية فى الأسرة، أصبحت أسهل جملة يتم ترديدها: «لا خالص اتطلقى وخلاص مفيش مشكلة».

ويرى الدكتور طه أبو حسين، أستاذ علم الاجتماع، بدوره يرى أن نسب الطلاق المرتفعة فى مصر الآن عادة ما يكون لها رافد تاريخى فى العلاقة، وهو ما يسبق الزواج، فالزواج الهدف منه فى الأساس تكوين أسرة، وهى الصورة الطبيعية لأى مجتمع، ولكن فى مصر لم يصبح هذا هو الهدف الرئيسى لأى اثنين لتكوين أسرة فيقول لـ«فيتو»: «للأسف الزوجان ينتقلان من حالة الارتياح والبساطة لتكوين أسرة إلى العلاقة المعقدة بسبب التوجه إلى البحث عن الكماليات والطلبات التى يغالى فيها الأهالى وبعض الزوجات، والرجل السوى لا يرغب ولا يرتاح حيث يجد نفسه عاجزا، ففى سبيل أنه يرضى زوجته يضغط نفسه ويستدين لينفق على ما يطالب به أهل الزوجة، كل هذه الأمور تعوق مسألة البساطة فى العلاقة».

 

محطة تلهية وإشباع رغبات

أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية، يرى أيضا أنه من أهم أسباب انتشار ظاهرة الطلاق فى أيامنا هذه يعود إلى بعض الشباب الذى يكون هدفه من الزواج إشباع رغباته فقط، فيعتبر الزواج "محطة تلهية"، وتدريجيا تتحول حياته إلى رغبات ونزعات شخصية ومعالجة وقتية للغريزة ثم ينصرف عنها فينتج عن ذلك انصراف الشباب من العلاقة الزوجية إلى التطليق متابعا: "وبالطبع يعود إلى سوء التربية واختلاف سلوك الشباب عما كان عليه فى الماضى، وسيطرة التكنولوجيا فى وقت أصبح الإنترنت هو مَن يربى الأبناء وليس الأهل".

 

جريمة مكتملة الأركان

أما الدكتور أحمد عبد الله، استشارى الطب النفسى، فيرى أن الزواج فى مصر أصبح جريمة مكتملة الأركان، ويعلق على ذلك قائلا: "نحن نتحدث عن مشروع زواج لا يوجد جزء به يسير بشكل سليم، فمجتمعنا لا يعلم هل هو مجتمع محافظ أم لا، وبداخله شخصان يتزوجان فى هذا المجتمع غير المفهوم، نجدهما يفتقران للنضج الشخصى والنفسى الزواج يحتاج لمستوى من مستويات النضج النفسى لحسن الاختيار حتى تصبح الزيجة ناجحة ولكننا لا نجد أي مستوى من النضج، لذلك نجد أنه بعد عام يقول: (لا لا مش هينفع نكمل مع بعض). 

ويرجع "عبد الله" السبب فى ذلك إلى وجود خلل فى التقديرات، والاختيار أولًا لم يكن سليمًا فى ظل غياب النضج الشخصى؛ فعبد الله يؤكد على أن الأصل فى الزواج أنه مؤسسة قائمة على النضج الشخصى والجانب الاجتماعى الذى به التماسك الاجتماعى، فإذا تطرقنا للنضج الشخصى فى إدارة العلاقة إلى جانب التماسك الاجتماعى بمعنى أنه حينما يحدث خلاف تتدخل الأسرة لتحاول حل الخلاف، وقد اختفت هذه الصورة فى ظل مجتمع وصفه استشارى الطب النفسى بالمتفكك والمفتقر لقيم الترابط العائلى والتماسك الاجتماعى والنضج الشخصى.

ويعلق عبد الله على هذا الأمر قائلا: "أصبح القضاء وحده هو ما يحكم فى الأمر، والقضاء لا يمكن وحده أن يحكم فى قضية بها جوانب نفسية وعاطفية مثل الزواج، صدرنا النزاعات فقط للجهة القضائية وأغفلنا دور التماسك المجتمعى، وأصبح هناك تسرع لعدم وجود أي آلية لفض المنازعات بين الزوجين أول ما نختلف نجرى على المحاكم والمحامين وننسى أبناءنا وما سيحدث لهم".

 

أبناء المطلقين فى مهب الريح

ويؤكد الدكتور أحمد عبد الله أن السلام النفسى للطفل الذى ينشأ فى أسرة غير متماسكة ينعدم بصورة سريعة قد لا يتخيلها الأبناء؛ فيفقد الطفل إحساسه بالطمأنينة والأمان، ويزداد الأمر سوءًا حينما يشرك الأبوين الأطفال فى هذا الخلاف فيجد الأطفال أنفسهم مضطرين أو مدفوعين دفعًا شديدًا لأن يأخذوا موقفًا من أمهم أو أبيهم، وهذا بدوره وفقًا لـ"عبد الله" يشكل ضغطًا نفسيًا كبيرًا على الأبناء، كما يجعل الطفل يفتقد للمَحْضَن الذى يتربى فيه وهو الأسرة الصغيرة، وفى ظل التفكك العائلى الذى تعانى مصر منه الآن، يجد الطفل أن العائلة الممتدة والمتماسكة غير متواجدة.

لذلك يقول استشارى الطب النفسى عن الزواج والإنجاب فى مصر الآن: "أنا أشبه الزواج فى مصر الآن بشخص يربط فيونكة جميلة الشكل فى الصحراء، ثم ما تلبث أن تنفك، فسيصبح أفراد الأسرة جميعهم فى مهب الريح".

 

روشتة مجتمعية

من جانبها، قدمت الدكتورة هالة منصور، أستاذ علم الاجتماع بجامعة بنها، روشتة مجتمعية لحل أزمة ارتفاع نسبة الطلاق فى مصر خلال الآونة الأخيرة.

مشدد على ضرورة الانتباه والحيطة من أجل الحفاظ على بنية وتماسك الأسرة المصرية، مثلما كان الأمر فى الماضى.

وتقول فى تصريحها لـ«فيتو»: "من أجل أبنائنا ومن أجل مستقبلهم فناقوس الخطر يدق بقوة خوفًا مما سينتج عن هذا الارتفاع فى معدلات الطلاق؛ حيث يتولد عنه قطاع كبير من الأبناء نشأ فى بيئة أسرية مفككة محملًا برواسب نفسية واجتماعية ستؤثر على قدراتهم وإمكاناتهم فى تشكيل أسر تتمتع بالقدر الكافى من الأمان والاستقرار الاجتماعى الأمر الذى ينبهنا وبقوة لضرورة التصدى لهذه الظاهرة بكافة أبعادها الاجتماعية والسلوكية والنفسية والتربوية من خلال الدراسات المتعمقة المبنية على الأسس العلمية والمنهجية السليمة للارتكاز على نتائجها بقوة الفهم وتحديد الأسباب المؤثرة بقوة وتحديد أوزانها النسبية ووضع الخطط والسياسات لمعالجة تلك الأسباب والعمل على دعم بناء الأسر والذى لن يتم إلا فى إطار بيئة اجتماعية تتمتع بالقدر المناسب من الوعى الدينى والأخلاقى والاجتماعى السليم".

نقلًا عن العدد الورقي…،

الجريدة الرسمية