رئيس التحرير
عصام كامل

روسيا وإثيوبيا.. الأسرار الخفية لابتزاز مصر والسودان في ملف سد النهضة

 بوتين وآبي أحمد
بوتين وآبي أحمد
شعر الشعب المصري بخيبة أمل كبيرة من كلمة مندوب روسيا لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، أمام جلسة مجلس الأمن المخصصة لمناقشة أزمة سد النهضة، والتى عقدت الخميس الماضي.


عشق المصريين لتجربة روسيا وإعجاب شريحة عريضة منهم بطريقة الرئيس فلاديمير بوتين، جعلتهم يعتقدون أن رأس الدولة الروسية محب للشعب المصري ومساند لقضاياها يبادلهم نفس مشاعر الإعجاب في الخيال الافتراضي.

أحلام الصداقة 

المواطن المصري بطبيعته الشرقية القائمة على الود والإخلاص، دفعته للابتعاد طواعية عن أرض الواقع السياسي، وعدم استيعاب وضع الدول لمصالحها فوق أي اعتبارات أخرى، فلا بوتين مهتم بالمصريين ولا يشغل إدارته كاملة في الكرملين موتهم عطشا بسبب سد النهضة، فجل ما يهم القادة الكبار هو لغة الأرقام و المصالح الجيوسياسية، صحيح أن القاهرة ربما تعد حليفا لموسكو في بعض الملفات، لكنها في نهاية المطاف دولة لا تحقق للروس الأحلام من خلال منح القواعد العسكرية والتفريط في سيادتها على غرار النموذج السوري كمثال.

الدفاع الإثيوبية 
واليوم تجددت الصدمة من الروس، بإعلان وزيرة الدولة الإثيوبية للدفاع مارثا لويجي، عن توقيع ما أسمته "العديد من الاتفاقيات" للتعاون العسكري مع روسيا، وذلك في ختام الاجتماع المشترك الحادي عشر للتعاون التقني العسكري الإثيوبي-الروسي، وفق وكالة الأنباء الإثيوبية.

تفاهم وليس اتفاق

لكن الدكتور الدكتور عمرو الديب أستاذ العلاقات الدولية في جامعة نيجني نوفجورود الروسية، شكك فيما أعلنته الوكالة الإثيوبية، مؤكدا أن ما جرى بين موسكو وأديس أبابا على الصعيد العسكري لا يرقى لوصفه بـ"اتفاق"، موضحا أنه يمكن وصفه بالتفاهم بين مجموعة خبراء عسكريين على تحديث الأسلحة الروسية الموجودة في إثيوبيا بالفعل، في ظل حالة الحروب الأهلية الدائرة هناك.

بيان الدفاع الإثيوبية مجرد حرب نفسية وإعلامية، هكذا أضاف الديب، هدفت أديس أبابا لاستغلال الحدث الساخن المتعلق بجلسة مجلس الأمن وما حمله من تداعيات، لكن في الداخل الروسي ليس هناك إعلان في جميع الوسائل الإعلامية الروسية عن هذه الاتفاقية، ما يعكس عدم قيمتها في ظل استغلال المواقع الاخبارية الروسية الواقعة تحت سيطرة الدولة على غرار "انترفكس" مثل هذه النوعية من الأخبار حال صحتها للترويج السياسي وإظهار قوة ونفوذ الدولة.

ولفت إلى أن موسكو تولي اهتماما بالحرب الدائرة في الداخل الإثيوبي، بتوصيات كنسية لطبيعة بدافع الخوف على المسيحيين فى إثيوبيا، وتطوير أسلحتها هناك يأتي من باب الحماية.

الأسلحة الروسية 
الأسلحة الروسية في إثيوبيا،  كشف حجمها في فبراير 2020 سفير إثيوبيا لدى روسيا، ألمايهو تيجينو، والذي قال وقتها إن بلاده تقوم بالعمل التحضيري لبناء محطة للطاقة النووية في البلاد، وفقاً للاتفاقيات مع الجانب الروسي.

وقال السفير الإثيوبي آنذاك  لوكالة "سبوتنيك" إنه منذ توقيع الاتفاقية في إثيوبيا، تم بالفعل عقد اجتماعين للخبراء في "روس آتوم" وموظفي وزارة الابتكار والتكنولوجيا الإثيوبية، حيث تم إنشاء مجموعتين للعمل.

وأوضح الدبلوماسي الإثيوبي أيضا، إن روسيا انتهت في نوفمبر 2019 من تسليم بلاده منظومة الدفاع الصاروخي من طراز "PantirS1" لتطوير قدراتها العسكرية الإقليمية.

وأكد حينها رغبة بلاده في تحديث قواتها المسلحة، وتطوير قدراتها في مجال حفظ السلام ومكافحة الإرهاب، بالتعاون مع روسيا.

استغلال أزمة سد النهضة 

ماكينة الإعلام الإثيوبية التي استغلت الدعم الروسي فى مجلس الأمن فى قضية سد النهضة، يبدو أنها سعت لتأجيج مشاعر الغضب المصرية على المستوى الشعبى خصوصا تجاه موسكو، وأرادت إظهار أديس أبابا كحليف لموسكو.

وهنا يعقب الديب على كلمة مندوب موسكو فى مجلس الأمن قائلا: بعدما كبرنا و قرأنا أكثر و أكثر، وجدنا أن  الدور الروسي في أي ملف خارجي يرتبط دائمًا بالمضغوط عليه في هذا الملف أو ذاك، يعني لو نظرنا لأصدقاء روسيا تاريخيًا سنجدهم المهزومين دائمًا، فلديهم  -الروس- عقيدة على ما يبدو مفادها، أنه لكي نقوي علاقتنا بنظام سياسي ما، يجب العمل على توريطه و جعله يستنجد بنا.

وتابع، نتذكر هنا دور موسكو في دفع الأمور لحرب ١٩٦٧ و صداقتها مع مصر إبان عهد عبد الناصر، وبعدها حتى عام ١٩٧٢، ونعيش رحلتها مع سوريا ونظام حافظ وبشار الأسد، ورحلتها أيضا مع فنزويلا، وكوريا الشمالية، والملف النووي الإيراني- و بمناسبة هذا الملف الأخير لا ننسى تسريب وزير خارجية إيران جواد ظريف حول الدور الروسي السلبي في هذا الملف ورغبة موسكو في تقويضه من أجل التقارب-.

حتى الملف الحالي بيلاروسيا وأرمينيا نجد روسيا عملت على توطيد صداقتها مع أرمينيا بسبب تواطؤها مع الأتراك، ومع لوكاشينكو بسبب دفعه للأخطاء.

باختصار، أصدقاء روسيا الحقيقيين تاريخيا و حاليا لماذا نجدهم في خانة المضغوط عليهم؟ وكلمة المندوب الروسي في مجلس الأمن يبدو أنها خير دليل على ذلك.

قاعدة بورتسودان

والسودان كطرف أصيل في أزمة سد النهضة، دفعت وزيرة الخارجية السودانية، مريم الصادق المهدي، للتعبير عن ثقتها في أن روسيا تستطيع إقناع إثيوبيا بتحكيم صوت العقل، وذلك فيما يخص أزمة سد النهضة، في ظل تعثر المفاوضات.

وقالت الوزيرة السودانية، إن بلادها تدرس اتفاقية إنشاء مركز لوجستي روسي على ساحل السودان بالبحر الأحمر.

وتابعت، أن موضوع مركز الدعم اللوجستي هو جزء من اتفاقيات وقع عليها المجلس العسكري في العام 2019، ولكن لم تتم المصادقة عليها بعد، وعملية المصادقة على أي اتفاقية دولية تشترط المرور عبر المجلس التشريعي، وفي غياب المجلس حاليا، تجري ممارسة هذا الدور عن طريق إجازة الاتفاقية بواسطة المجلسين معا: المجلس السيادي ومجلس الوزراء.

وأوضحت أن هذه هي العملية التي تجري حاليا مع كل الاتفاقيات الدولية التي لم تتم المصادقة عليها بعد، وليس فقط مع الاتفاقيات مع الجانب الروسي.

ويبدو أن الوزيرة السودانية سعت لتلطيف الأجواء بعد طلب مجلس السيادة من موسكو إخلاء قاعدة فلامينجو، وظهور أمريكا على خط الأزمة التي تصاعدت الشهر الماضي قبل جلسة مجلس الأمن.

وعاد الديب للتعقيب قائلا: هنا يجب على الروس فهم مبدأ واحد، مجرد وجودك في الشرق الاوسط وخططك بوجودك بحريًا في السودان مرتبط فقط بالصمت أو الموافقة المصرية.
الجريدة الرسمية