رئيس التحرير
عصام كامل

ويا لقسوة المقارنة!

ويا لقسوة المفارقة التاريخية بين أحوال صحافتنا اليوم وبين حالها يوم ولدت فتية من رحم قضية عملاقة هي استقلال الوطن وطرد المستعمر عن أراضيه، والذود عنها ضد ثالوث قاتل يتمثل في الجهل والفقر والمرض، وشتان بين قضية وطن حملها رواد وأساطين فكر كانت أفكارهم وقوداً للتحرر ونبراساً للنضال أضاء للمصريين طريق الحرية والاستقلال والنهضة وبين ما نراه اليوم..


ولم يأت ذلك الفارق من فراغ بل قاتل هؤلاء الرواد في صفوف الجماهير حتى سقط من بينهم ضحايا وهبوا أنفسهم طوعاً لتحقيق "رسالة" دون انتظار لمكاسب زائلة أو تحقيق مجد شخصي زائف.. فالكل يفنى ويبقى الوطن.. شتان بين مهنة آوى إليها هؤلاء المناضلون وبين حالها اليوم وقد زحفت إليها جحافل جرارة بلا تدريب كاف ولا رؤية ولا هدف إلا الاسترزاق أو السعي وراء الشهرة والأضواء..

الصحافة وقضايا الأمة

فلا تعجب إذا ما وجدت هناك روحاً تلهب وجدان الجماهير وتأخذ بناصيتهم إلى الفعل والتغيير وبين جيوش جرارة من الصحفيين يثيرون طحنًا كثيراً بلا طحين. فهل نجد في أجيالنا الجديدة أمثال أحمد لطفي السيد صاحب الشعار الأثير" مصر للمصريين" الذي جاهدت لتحقيقه صحيفته "الجريدة" في وجه الاحتلال البريطاني والتركي.. كما رفعت "العروة الوثقى" التي أنشأها المفكران جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده شعار "التنوير" إيقاظاً للشعوب العربية والإسلامية، ودفعها على طريق التحرر من الاستعمار. أما "لواء" الزعيم الوطني مصطفى كامل فلم يكن بمنأى عن هذا التيار القومي بل كافح هو الآخر عن قضية بلاده ما وسعه الجهد حتى عرفت طريقها للحرية والاستقلال..

فأين تقف الصحافة ووسائل الإعلام من قضايا أمتها وشواغل شعوبها.. وما جدواها إذا لم تتبن تلك القضايا وتكون في طليعتها؟! صحيح أن جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده ويعقوب صنوع عانوا آلام النفي والتشريد.. ولم يسلم العقاد والنديم من السجن؛ دفاعاً عن الرأي وذوداً عن حرية الوطن.. ولم يتطلعوا لمكاسب شخصية بل كان التنوير هو رسالة أقلامهم ومحركهم.

وهكذا كانت صحافة الزمن الجميل محراباً للتنوير وحصناً للوطنية قبل أن تنفتح آفاقا لتطور الإلكتروني على تقدم تقني مذهل، صادفه للأسف تردٍ قيمي وتراجع مهني وضعف في مقومات الريادة فانفلت الزمام وغدونا نرى جحافل صحفية وإعلامية تطل علينا من نوافذ شتى هم للأسف أكثر عدداً، لكنهم أقل أثراً ونفعاً..

مقارنة قاسية
غابت الرسالة وحضرت الانتهازية، فلم نجد بعد حلول الخريف العربي إجماعاً إعلامياً حول أولويات الوطن، بل أجندات متنازعات ومصالح متقاطعات وحسابات متناقضات.. اختلفوا إلا ما رحم ربي حول الوطن وليس على أرضيته ولا مصالحه العليا وأوجب واجباته.. والنتيجة مزيدٌ من تدني الثقافة والأخلاق وانحطاط الذوق العام وظهور الإحباط.. فمن ينكر أن إعلامنا كان ملء السمع والبصر في الشرق كله قبل أحداث 25 يناير، ثم تحول بفضل دخلاء كثر على المهنة إلى ساحة تموج بسخافات الخرافة والدجل والشعوذة وتتبع سلبيات المجتمع وعوراته وفضائحه وخناقات المشاهير وفتاوى الفتنة التي تتنافى مع قيمنا الأصيلة وروح ديننا الحنيف.
الجريدة الرسمية