رئيس التحرير
عصام كامل

دار الابتلاء والغرور

في دار البلاء والإبتلاء واليتم والغربة.. في دار الفتن والإختبار.. في دار الممر والفناء نتقلب بين العطاء والمنع، والصحة والمرض والغنى والفقر والفرح والحزن والأمل واليأس. وبين رزق مقسوم مقدر من الأزل لا حيلة فيه يسعى إلينا كما يسعى الأجل، وبين أجل محتوم لا مفر ولا مهرب منه مقدر من قبل أن نخلق.


فلنصبر على ما أصابنا ونرضى بما قدره الله تعالى لنا وقضى به علينا ولنشكره على النعمة. يقول عز وجل في الحديث القدسي: (من لم يصبر على بلائي ويشكر لنعمائي ويرضى بقضائي فليرحل من تحت سمائي وليختر رب سواي). ولا نركن إلى شئ منها ولا ننسى أننا راحلون عنها خارجين منها ليس لنا منها إلا ما قدمت أيدينا من الأعمال الصالحة.

أحلام ودعوات في العام الجديد

ولنتذكر أنها إلى فناء ولا خير فيها وخير مافيها ترك ما فيها، والترك معناه عدم تعلق القلب بشئ منها فاللهم إجعلها في أيدينا ستر لنا وعون لغيرنا ولا تجعلها في قلوبنا.. ولا تجعلها مبلغ علمنا ولا مبلغ همنا. وهي دار حلالها يعقبه حساب وحرامها يعقبه عقاب. وإيانا وحبها وتعلق القلب بشئ منها فحبها مهلك لا محالة  وحبها رأس كل خطيئة وهي غنيمة الحمقى ومطمع الجهلاء..

ولا يجتمع حبان في قلب العبد كما أخبر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وعلى آله بقوله: (لا يجتمع حبان في قلب العبد.. حب الله وحب الدنيا). وأحذر غرورها وأمانيها فهي غدارة خداعة لا أمان لها. تعطيك اليوم وتأخذ منك غدا. تفرحك اليوم وتحزنك غدا. نحيا على ظهرها اليوم وندفن في بطنها غدا. وهي دار الحقد والحسد والصراعات والطمع. فيها إنتهكت الحرمات وعصي الله تعالى وإرتكبت الكبائر وأهينت الحرائر  وسفكت الدماء وجاعت بطون الأنبياء وشبعت بطون البهائم.

وهي دار المحال فدوام الحال فيها محال.. فكم غدرت بالملوك والسلاطين والأمراء وكم أزلت أصحاب الجاه والغنى، وكم رفعت وضيع حقير لا وزن له ولا قدر ولا قيمة، وهي في نفس الوقت خير زاد لمن فطن وعقل ونظر وأبصر فأغتنم منها الخيرات وعمل الصالحات وقدم لآخرته فهي مزرعة الآخرة.. والدنيا ليست مذمومة في ذاتها وإنما المذموم منها تعلق القلب بشئ منها والركون إليها..

وهي خادمة لمن أطاع الله تعالى وأستقام على شريعته وأقام نفسه في ميادين الطاعة والخدمة وهي مستخدمة ومذلة لمن تعلق قلبه بها وسعى إليها وسعى في طلبها. وفي الحديث القدسي عندما خلق الله تعالى الدنيا خاطبها سبحانه وتعالى بقوله: (يا دنيا من خدمني فأخدميه ومن خدمك فأستخدميه). هذا وكم حذر الله تعالى منها في آيات كتابه الكريم.

انتبهوا يا سادة

من ذلك قوله تعالى: (وَمَا هَٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) . وقوله عز وجل (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۖ وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ). وقوله جل جلاله اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ). هذا وعنه صلى الله عليه وسلم وعلى آله أنه قال (من كانت نيته طلب الآخرة جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وآتته الدنيا راغمة . ومن كانت نيته طلب الدنيا جعل الله الفقر بين عينيه وشتت عليه أمره ولا يأتيه منها إلا ما كُتب له) ..
الجريدة الرسمية