رئيس التحرير
عصام كامل

"الميليشيا والمافيا" تهددان وجود لبنان

لا يخفى على أحد أن فرنسا تريد استعادة دورها في الشرق الأوسط، وإحياء وجودها في المنطقة العربية، خصوصا بعد اكتشافات الغاز الهائلة في البحر المتوسط، ولم تجد أمامها أسهل من البوابة اللبنانية لاعتبارات عدة، منها العلاقة التاريخية بين البلدين، وارتباط اللبنانيين بفرنسا حتى إنهم يطلقون عليها "الأم الحنون"..

 

ولم ينس الرئيس إيمانويل ماكرون أن لبنان رغم مشكلاته السياسية والاقتصادية الطاحنة، يطفو على مخزون من النفط والغاز الطبيعي تأخر استخراجه، لعدم اتفاق الساسة وزعماء الطوائف على توزيع حصصه فيما بينهم حتى الآن، من هنا سارع الرئيس الفرنسي بزيارة لبنان فور حدوث انفجار مرفأ بيروت الدامي، وتعامل بحنو مع الشعب المتضرر في الطرقات واستمع لطلباته..

ثالوث التآمر أقرب إلى إسرائيل 

واستقبل منه أكثر من 60 ألف توقيع لإعادة الانتداب الفرنسي إلى لبنان وحمايته من "ميليشيات ومافيا الحكام"، التي تسببت في خراب وانهيار البلد، بالفساد والسرقات والارتهان للخارج. 


غادر ماكرون لبنان واعدا بالعودة احتفالا بمئوية إعلان لبنان الكبير، الذي خططت له ونفذته فرنسا أيام الانتداب منذ قرن مضى، وإنه لن يسمح بترك لبنان في أيدي لصوص السلطة والأحزاب الفاسدة، ولم يلبث أن أرسل حاملة الطائرات "لو تونير" التي رست في المياه اللبنانية وكانت في استقبالها وزيرة الجيوش الفرنسية، ليكون وصيا على القرار اللبناني وقريبا من ثرواته المكتشفة، وغير بعيد عن تركيا سبب الخطر الاقليمي بتحركاتها الاستعمارية وغير المشروعة في المنطقة.


دعا ماكرون قادة لبنان إلى الإسراع بتشكيل حكومة تلبي طلبات الشعب، ولم يخف تأييده رئيس الوزراء السابق سعد الحريري، الذي وافق بدوره على تحمل المسؤولية شرط أن تكون حكومة "تكنوقراط مستقلين" بمعنى لا وجود فيها لنواب تابعين لرئيس الجمهورية أو نواب "حزب الله" وغيرهما، لكن الرئيس ميشال عون، تمسك بشرط عودة صهره النائب جبران باسيل إلى الوزارة مقابل تكليف سعد الحريري بتأليف الحكومة الجديدة، فرفض الحريري الشرط لإدراكه ان هذا سيتبعه عودة المنتمين إلى "حزب الله" و"حركة أمل" وهكذا، فأعلن انسحابه ورفض كذلك تولي عمته بهية الحريري رئاسة الحكومة أو أحد من المحسوبين عليه وانسحب تماما من بازار ترشيحات رئاسة الحكومة، ودعا رئيس الجمهورية إلى "احترام الدستور والإقلاع نهائياً عن بدعة التأليف قبل التكليف".


هنا أدركت فرنسا أن لبنان ماض في الأسلوب نفسه ولم يتعظ مما حدث، ويريد فرض حكومة اللون الواحد التي يسيطر عليها تحالف رئيس الجمهورية والثنائي الشيعي، مثلما حدث مع حكومة حسان دياب، التي أثبتت فشلا ذريعا انتهى بانفجار مرفأ بيروت المروع، فحذر وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان، القيادات اللبنانية من خطر زوال الدولة، إن استمروا في سياسة المحاصصة والفساد، وإن تقاعس النخبة السياسية التي يتعيّن عليها تشكيل حكومة اختصاصيين مستقلة جديدة سريعاً لتنفيذ إصلاحات ضرورية، سيجعل لبنان تنتهي لأنها تواجه خطر الانهيار، وقال لو دريان: "لن يوقِّع المجتمع الدولي شيكاً على بياض إذا لم تنفّذ السلطات إصلاحات عاجلة؛ لأن الخطر اليوم هو اختفاء لبنان".
الخناق يضيق على "حزب الله"
وفي الوقت ذاته استبق الرئيس ماكرون زيارته لبنان، بإرسال خارطة طريق تتضمن إصلاحات سياسية واقتصادية عليهم تنفيذها، حتى يساعدهم المجتمع الدولي ويمنع انهيار الدولة، منها تشكيل حكومة مستقلة، إجراء انتخابات نيابية مبكرة، التدقيق المالي في المصرف المركزي، إصلاح قطاع الطاقة، تنفيذ الإصلاحات السياسية واقرار قانون مكافحة الفساد.

ورأى ماكرون ان لبنان سيشهد حربا أهلية ثانية إن لم تُقدَّم المساعدات العاجلة له: "إذا تخلينا عن لبنان في المنطقة، وإذا تركناه في أيدي قوى إقليمية فاسدة، فستندلع حرب أهلية، وسيؤدي ذلك إلى تقويض الهوية اللبنانية"، مشيرا إلى أن مفاوضات لبنان مع صندوق النقد الدولي تعثرت لأسباب سياسية.

عشية وصول الرئيس الفرنسي إلى بيروت، اتفق رؤساء الحكومات السابقين على تسمية سفير لبنان في ألمانيا مصطفى أديب رئيسا مكلفا للحكومة الجديدة، والغريب ان الثنائي الشيعي "حزب الله وحركة أمل" وافقا عليه، كما وجد اسمه قبول جبران باسيل صهر رئيس الجمهورية، الذي كانت له معه تجربة مثمرة خلال توليه منصب سفير لبنان في ألمانيا.


وكان أديب مديرا لمكتب رئيس الوزراء الأسبق نجيب ميقاتي في 2011 وعين سفيرا للبنان في ألمانيا في 2013 وظل يشغله حتى تكليفه برئاسة الحكومة.
ورغم أن مصطفى أديب، كان ناشطا مدنيا قبل التحاقه بالعمل مع ميقاتي، إلا أن المعارضة والثوار، اعتبراه "بلا مخالب"، وما دام أنه جاء بتوافق الطبقة الحاكمة والمتحكمة في لبنان، التي جاءت برئيس الوزراء السابق حسان دياب، فإنهم لا يستبشرون خيرا، لأن "منظومة الميليشيا والمافيا" التي تضم "حزب الله" و"حركة أمل"، و"التيار الوطني الحر" التابع لرئيس الجمهورية وصهره جبران باسيل، وزعماء بقية الطوائف وأحزاب الفساد، سيجعلون الأمل ضئيلا في نجاح مهمته.

ولعل خيرا من عبر عن غضب الشعب من التكليف، الفنانتان مايا دياب وإليسا، فقالت الأولى: "النهج والاسلوب والفريق نفسه، تغيّر الاسم ويمكن نوع gel شعر"، وقالت الثانية: "يزودوكم باسم رئيس حكومة وتقدّمون مسرحية لتسميته.. عيب عليكن تكونوا بالحكم وعيب علينا نضل راضيين.. تحية لنواب رفضوا ركوب موجة مسرحية الدجل السياسي".

أراد ماكرون المحب للفن والأدب والمسرح، أن يكون لصيقا بالشعب اللبناني، فأعلن أنه سيستهل زيارته بيروت بتقليد "جارة القمر" فيروز وسام "جوقة الشرف" الفرنسي في منزلها، وكان في انتظاره أمام بيت فيروز في "الرابية" المتظاهرين ينددون باختيار مصطفى أديب لرئاسة الحكومة. 

"قيصر" يخنق سورية 

فعوا أصواتهم بشعارات ثورية، وأخرى رافضة لرئيس الوزراء المُكلف حديثاً، ليردّ ماكرون من على درج بيت فيروز، بأنّ "القوى السياسية اللبنانية هي من أسمته ولست أنا، لكني لن أترككم".

 

كانت ريما الرحباني، ابنة فيروز، في استقبال الرئيس ماكرون والوفد المرافق أمام المنزل، واستغرقت الزيارة نحو الساعة والربع، حظي خلاله بهدية منها، بدا أنها لوحة فنيّة شوهد الحراس يحملونها إلى الموكب.


وبانتهاء الزيارة وصف الرئيس الفرنسي، السيدة فيروز بأنها "أيقونة، ورمز قصص الحب ولها مكانة خاصة في قلوب الفرنسيين"، وأنه التزم أمام فيروز، وأمام اللبنانيين بـ"الإصلاح، وأن يكون لبنان أجمل.. أعدكم بأنني سأظل معكم"، لكنه رفض الإفصاح عما قالته له، مكتفيا بأنها "جميلة وقوية للغاية وان اللقاء مؤثر واستثنائي، وتمنيت لقاءها منذ زمن لأنها رمز الحب والحياة، وأغنية لبيروت هي المفضلة عندي".


تفقد ماكرون ثانية مرفأ بيروت المدمر، لكن هذه المرة من على حاملة الطائرات الفرنسية "لو تونير" القابعة في المياه اللبنانية، ثم التقى الرئيس ميشال عون، وأمهله وجميع قادة لبنان ثلاثة أشهر فقط لتنفيذ خطة الإصلاح المطلوبة، لأنه سيعود في ديسمبر المقبل بزيارة ثالثة ليرى على أرض الواقع ما تحقق منها.

 

وضع ماكرون يده على لبنان وسيظل فيها لحمايتها من "ميليشيا ومافيا" قياداتها، أسوة بما فعلت أميركا وبريطانيا وإيران وتركيا المرابطة بقواتها في دول المنطقة.

الجريدة الرسمية