رئيس التحرير
عصام كامل

فيروس في فخ الصحفيين

كثيرا ما كان أصدقاؤنا من أرباب المهن يتبارون فى وصف خطورة الاقتراب من جماعاتهم، كأن يقول لك محام "احذر.. إحنا بتوع القانون وأهل العلم بثغراته"، أو أن يداعبك طبيب "مصيرك تقع تحت المشرط".

صحفيون كسروا القاعدة وضربوا كل أوصاف مجتمعية لأصحاب المهنة ذات المعاناة الأكبر على مر التاريخ المعاصر، وجدتهم يواجهون ما خشيت منه مجتمعات بكاملها، اللهم سوى الجيش الأبيض من الأطباء وفرق التمريض الذى تقدم صفوف المواجهة، فى معركة مفتوحة مع كوفيد.

كان الرعب أكبر داخل الجماعة الصحفية بداية حين فقدنا زميلنا محمود رياض وأصيبت أسرته، ثم ازداد بإصابة زميلنا الدينامو الهادئ حسين الزناتى، لكن تباعا تلاشى الخوف فى مواجهة الوباء حينما غازل بيوت آخرين وعائلاتهم.

 

فائدة للوباء.. تجربة شخصية


أصبحت السخرية من حضور كوفيد بين الصحفيين أولى خطوات المواجهة لا تسبقها سوى الرضا بأي مصير مكتوب، خاصة وأن العمل فى تغطية أحوال الناس ومتابعتهم وتقديم الخبر والقصة والمعلومة للمحيطين مهمة تسقط هالة وهيبة حول أي شيء وشخص، وفيروس أيضا.

عاصرت هجوم الفيروس على زميلنا الصحفى جمال عاشور، الصعيدى الهمام الذى واجه مصيره بطريقة "رايح جاى"، لا يكل ولا يمل فى وصف حالته بالعادية التى لا تستدعى تدابير أكثر من اللازم، "مش واكل.. مش هايفرض عليا حاجة مش عاوزها.. الكحة وضيق النفس هاشوف لهم صرفة.."، هكذا كانت فلسفة وردود "عاشور" الذي قرر تأديب وتهذيب فيروس سقط فى فخ مدرسته الفلسفية حتى "هرب منه" على حد وصفى له.

الساخر محمد حسين الجداوى رحب بكوفيد واستأجر له مكانا فى "عمارة ساكن قصادى" واستحدث له شخصية فى مخيلته، قرر الاستثمار فيها بعد ثلاثة أسابيع بإصدار كتاب جديد عن العدوى والمعايشة، يضاف إلى سلسلة أعماله الساخرة التى استلهم سمات أبطالها من يومياته مع بشر فى شوارع مصر ونفر فى دراما أعمالها التليفزيونية الخالدة.

 

الحياة عن بعد.. والموت أيضاً 


أفكار الاستثمار الصحفى فى الفيروس جعلت زميلى وصديقي محمد ربيع يفكر فى مرحلة ما بعد الشفاء سريعا وتوطيد علاقاته مع عالم البلازما، دائما ما كانت حسابات الأزمات والجولات تنقلنا مع "ربيع" إلى التفاؤل بالعائد الاقتصادى لها على طريقة "بشروا ولا تنفروا".

"استعد يا سحس هاتبقى غنى انت واللى عندى فى البيت"، قالها لى ربيع معتقدا أن خطة صحفى من أصل منوفى مثلي أقصى مدى لها سيكون بيع البلازما بعد الخلاص من كوفيد، لكن المفاجأة ضربت توقعاته حينما أعلنت له نيتى فى بيع "الفيروس" ذاته بعد الشفاء، فلم أنو قتله بل اعتقاله وعرضه فى مزاد يشرف عليه "ربيع" بنفسه.

تركيبة مجلس النقابة تابعت مكوناتها عن قرب حالتى وزملاء، كان أقربها لي الزميل محمد يحيى وقد وجد لى فى الليمون والعدس نجدة من قيد كوفيد، وتحلى عضو المجلس "ابن الناس الكويسين" ببساطته التى أتى بها لمبنى عبد الخالق ثروت، فبات عقلا مدبرا ناصحا داعما لكل ذى محنة.

أما الأستاذ محمد خراجة، الصعيدي صهر أكبر عائلات المنايفة "بلدياتنا"، فوجد فى إصابتي "مسألة وقت" ستنتهى قريبا إلى مشهد ترشيح عروس من مجالسه الاجتماعية، تذكرت مع دعمه المعنوى تزكيته الدائمة لزواج كل اثنين يجدهما لائقين معا فى إطار راق، وأصبحت الاستجابة لندائه مسألة وقت أيضا، "خلص انت بس موضوع الفيروس ده يا سحس وأنا أخلص لك جوازة حلوة تظبطك فترة النقاهة".

 

 مجلس قومى للأسرة المصرية


منى عبد الراضى، تجدها نوارة "مجتمع الصحفيين" على جروبات التواصل بعد تجربة "كيوت" مع الفيروس، تعزز روح زميلنا حازم الملاح الحائر وآخرين وترفع معنوياتهم برقة مشاعر أخت وأم، تضاهي روعتها روح "الأب الشاب" عماد الصابر الذي تحار فى وصف مشاعره وتفقد إحساسك بغرابة المشهد كله أمام بساطة كلماته.

شهامة ناصر حجازى وخفة ظل ابتسام محمد وتفاؤل محمد عادل علام ووداعة إبراهيم جمال، تغلبها دعابة سامى عبد الرحمن فى السؤال الدائم عن كمية ونوعية الأكل فى رقدة كوفيد، "وحشتنا رحلات بورسعيد يا سحس.. قوم انت بس وأنا هاصلح مناخيري ونطير".

ترتيبات محمود كامل وجهلنا بفلسفته فى إدارة أزمات فى صمت، وسرعة إنجاز "عبد الرحمن" روح الشباب فى إدارة مشروع العلاج بالنقابة، دعوات جمال أبو عليو الذى شبع وجعا وألما قبل سنوات من مصيبته، حالة جعلت منا سريعا أجنحة لمكافحة للوباء لا مرضى.

سيترك كوفيد مجتمعنا ويزول من ذاكرتنا، وكما دخل علينا بطريقة احتيالية سيرحل أو يموت تحت أقدامنا، وستظل ابتسامة الصحفيين مبعث أمل لكل أصحاب الألم، فلهم طريقتهم وحساباتهم الخاصة بعيدا عن أي منظومة.

الجريدة الرسمية