رئيس التحرير
عصام كامل

السيدة "نفيسة".. سيدة أهل العلم

في مطلع السبعينيات كان بداية ورودي على رحاب السيدة نفيسة، وبداية التزامي بعتبتها الشريفة، وأتذكر نفحات أول زيارة لي  لمرقدها الطاهر ومقامها الكريم، ولن أنسى ذلك المسك وتلك الروائح الذكية التي فاحت عند دخولي مقامها الشريف، وكذلك تلك الراحة النفسية والهدوء النفسي والسكينة التي غمرت قلبي وروحي.. 

ومن ذلك اليوم ارتبطت روحي بحضرتها وساحتها الكريمة، وكان من فضل الله تعالى على أن أذن لي بعقد مجلس علم يوميا في رحابها امتد قرابة الأربعين سنة، وإليك عزيزي القارئ بعض النفحات والكرامات التي عايشتها في رحابها رضي الله عنها، ومعلوم أن هناك فرقا بين من يسمع الكرامات ومن يعايشها، فشتان ما بين من يسمع عن سيدتنا السيدة نفيسة رضي الله تعالى عنها وبين من يعايش نفحاتها وسرها وبركاتها..

 

وما أصدق لسان أهل المعايشة، وقبل أن أتحدث عما عايشته في رحابها الطاهر يطيب لي التحدث على قدري المحدود عن السيدة نفيسة رضي الله تعالى عنها..

 

اقرأ ايضا : من مظاهر القدرة الإلهية

 

هي كريمة الدارين وسيدة أهل العلم وسليلة آل بيت النبوة الأطهار، فهي إبنة سيدي حسن الأنور إبن سيدي زيد الأبلج، إبن سيدنا الإمام الحسن بن علي إبن أبي طالب كرم الله وجهه، لم يعرف نسب أشرف ولا أطهر ولا أجل من نسبها، نسب أهل بيت النبوة الأطهار الذين خصهم الله تعالى بالذكر والتكريم والثناء في قرآنه الكريم من ذلك قوله تعالى: “رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ”.. وقوله عز وجل: “إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا”..

 

هذا وقد جعل الله تعالى مودتهم فرض على الأمة الإسلامية بأسرها حيث قال سبحانه: “ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ”.. ولدت رضي الله عنها في يوم الأربعاء ١١ ربيع الأول عام ١٤٥ هجري بأشرف بقاع الأرض بمكة المكرمة، ونشأت في أحب بقاع الأرض إلى الله تعالى المدينة المنورة، دار الهجرة ومسكن ومقام جدها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله..

 

نشأت وتربت على العبادة والذكر والفضائل والمحاسن والقيم الإنسانية النبيلة.. حفظت رضي الله عنها آيات كتاب الله تعالى في حداثة سنها، وتلقت علوم الشريعة على يد أبيها، وكانت تترد على مسجد جدها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله لتستمع إلى الإمام مالك إمام دار الهجرة، وثاني الأئمة الأربعة رضي الله عنهم .

 

اقرأ ايضا : وصف حال المؤمن

 

وما أن تجاوزت الثانية عشر من عمرها إلا وكانت عالمة فقيهة  في كل مجالات علوم الدين.. أحبت الخلوة فلازمتها زمنا طويلا.. عشقت القرآن فكانت تتلوه ليل نهار حتى أصبح لها بمثابة الهواء والماء لأي كائن حي.. حفظت آياته وإلتزمت بتعاليمه وأحكامه وأقامت حدوده. وأحلت حلاله وحرمت حرامه.. تدبرت معانيه وفهمت مغازيه..

 

تفاعلت بحسها السامي مع روح كلماته المباركة فتجلت لها أسراره وبرزت لها معانيه وأنوار معرفته فعلمت عن قائله سبحانه وتعالى حكمته ومراده فإذداد تعلق قلبها الطاهر بربها تعالى فأقبلت عليه عز وجل إقبال صفوة أهل المحبة بهمة تعلو همة الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه..

 

وعلى أثر ذلك عزفت نفسها الكريمة عن الدنيا بحظوظها الفانية ونعيمها البالي، فعفت على حراميها وزهدت في حلالها، وتورعت في الضروري للحياة منها وكانت رضي الله عنها فيها عابرة سبيل.. ساست نفسها الكريمة وأخذتها بالعزم والحزم والشدة فساقتها إلى ميادين العبودية وأقامتها في ميادين الخدمة والطاعة..

 

عملت بعقلها الرشيد في هوى نفسها الطيب فكان هواها تبعا لما جاء به جدها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله من الهدى والنور والرشاد.. إستدامت على تقوى الله تعالى والعبادة والذكر حتى تم لها الفناء الكامل في محبوبها سبحانه وتعالى.. لم تنظر إلى نفسها الكريمة يوما بعين الرضى والكمال وكانت تتهم نفس بالنقص والتقصير..

فرضي الله عن سيدتنا السيدة نفيسة.. عزيزي القارئ نستكمل الحديث بمشيئة الله تعالى في المقال التالي.

 

الجريدة الرسمية