رئيس التحرير
عصام كامل

بهاء الأمير.. حصن الحق في زمن الباطل

بهاء الأمير
بهاء الأمير
18 حجم الخط

التدافع بين الحق والباطل سُنة كونية بدأت منذ خلق البشر، وهي قائمة لا تفتر حتى يرث الله الأرض ومن عليها، وشاء الله أن تحمل أمتنا لواء المعركة الأخيرة التي لا تنقضي إلا بموت الدجال، وهذا شرف لا يُدانيه شرف.


لكن في القرون الأخيرة ضعفت أمتنا فشد عليها العدو بحده وحديده يريد استئصال شأفتها فلا يُبقِ لها أثرًا، وهجم عليها من الشرق والغرب ليَضربها ضربة رجل واحد، رغم اختلاف المهاجمين، أديانهم وأعراقهم.

لكن ما يجهله كثيرون أن قادة هؤلاء جميعًا هي عصابة مُتخفية في ظلام العقول لا يراها إلا أصحاب الوعي فقط، هي عصابة قليلة العدد أشد خطرا من السم الزعاف، متماسكة كالبنيان المرصوص يساعد بعضهم بعضا ويحمي كبيرهم صغيرهم، ويمهد السابق منهم للاحق، ويهيئ له فرصة الظهور والترقي، ويتحدون للتخلص ممن يعترض طريقهم مُتلحفين بالصمت.

أما أخطر سلاح تستخدمه عصابة الشر هو أبناء جلدتنا ممن ينتسبون ظاهرًا لديننا ولغتنا وبلادنا، الذين ينفذون مخطط العدو، فهؤلاء هم حصان طروادة الذي نجح العدو في زَرعه داخل حصوننا، وأصبح كثير منهم في مناصب تمكنهم من أن ينفذوا خطط العدو في هدوء لا يثير غضب المغفلين.

وما كان الله ليدع أهل الحق ضياعا بين الأمم فقيض لها رجالا رزقهم الوعي والفطنة فقرأوا مخطط العدو وفضحوا الدمى من أبناء جلدتنا وحذروا من عصابة الظل، منهم على سبيل المثال شيخ العربية محمود محمد شاكر، والدكتور محمد محمد حسين والسَاخر محمد جلال كشك... إلى آخر قائمة الشرفاء، نسأل الله الرحمة لمن مات وطول العمر والثبات على الحق لمن بَقي على وجه الحياة.

ومن بين أصحاب العقول الواعية في زماننا رجلٌ رزقه الله حسن الخلق والخلقة، وزاده بسطة في الفَطانة والوعي، فتصدى لمخططات العدو وفَضحها على رءوس الأشهاد في كُتب تُعد عمدةً في بابها أبرزها كتاب «الوحي ونقيضه» لا يُنزاعه في ذلك منازعٌ، وأسكت بكلامه المغفلين الذي يقللون من خطورة المؤامرة فلزموا الصمت وأبرزهم المسيري ومنهجه الأمبريقي.

ومما يدعو إلى العجب في كلام الأمير أنه بديهي جدا، وجعلك تذهل بعد قرأته متساءلاً، أين كانت عقولنا والمؤامرة واضحة كالشمس في كبد السماء، لكن الدكتور بهاء له من اسمه نصيب فهو أمير الوعي وبهاء عقله ينير القلوب.

والأمير دون مبالغة حصنٌ حصين يحمي عقل أمة من الضياع، يستخدم في ذلك منهجًا واضحًا إذ يعطي من خلاله تفسيرا منطقيا لأكبر عدد من الظواهر والأحداث في رباط واحد، ولديه قدرة على التنبؤ من خلال ما تقدمه من تفسير ظواهر أو أحداث مستقبلية.

وأبرز ما يستفيده القارئ من كتب بهاء الأمير هي تلك القاعدة التي رسخها عبر كل أسفاره هي أن الحقيقة بسيطة والتعقيد تلفيق، فكلما كانت النظرية أبسط كانت أصح وكلما كان التفسير أيسر في الفهم كان أقرب للحق، وكلما كان النموذج أوضح كان أوقع.

والحق أني أحب الدكتور بهاء الأمير حب جمًا، لكني إذا أحببت لا أغلو ولا أتجاوز حد الحب الذي يصل القلب بالقلب ويمد الروح بالروح، وأسعى إلى أن يخلو الحب من العصبية وفساد الهوى، ومما يؤخذ على الدكتور بهاء ـــ ولا يقلل من كتبه أبدا التي أرى أنه لزامًا على كل مسلم أن يقرأها ـــ أنه لا يعتمد على السنة النبوية باعتبارها جزءًا من الوحي ليست زائدة عليه إذ يقول ربنا تعالى «مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ» والنبي صلى الله عليه وسلم يقول «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه» ونحن لا نقول إن الدكتور بهاء يُنكر السنة لكنه جعلها رافدًا ثانويًا.

ومما يؤخذ على الرجل أيضا أنه عد الشيخ محمود شاكر والكاتب الصحفي محمد جلال كشك من المغفلين، أما شاكر فلا ينتطح فيه عنزان، ولعل للأمير وجهة نظر لا نعلمها ونحن نثق في علمه.

أما نَقضه لجلال كشك في مسألة تفسير بناء السد العالي حين قال الأمير في كتاب الوحي ونقيضه «إذا رجعت إلى كتاب "ثورة يوليو الأمريكية" للمؤرخ محمد جلال كشك، فإننا نأتيك فقط بتفسير ما احتار جلال كشك في تفسيره وفهم معناه، ولم يستطع العثور على المقصود به فيما بين يديه من وثائق ومصادر.

يقول كشك ــ بعد أن حاول تفسير أسباب سحب التمويل الأمريكي لمشروع السد العالي بضغوط اللوبي اليهودي ومعارضة وزير الخزانة الأمريكي ــ "هناك ملاحظة غريبة لا ندعي أننا قد فهمنا أبعادها الحقيقية هي أن الأمريكيين كان لديهم اقتناع أن المشروع سيُثير كراهية المصريين، لماذا؟ لا ندري، وأشار دالاس إلى أن الشعب المصري سيكره من يبني السد العالي، والفكرة نفسها كررها دالاس مع "هيوجتسكيل" زعيم المعارضة البريطاني، إذ ذكر هذا في يومياته: وحاولت أن استفهم مِن دالاس عن أسباب سحب تمويل السد العالي، فأجاب إجابة غير مفهومة أهم ما فيها أن الولايات المتحدة كانت تأمل أن يؤدي سحب قرار التمويل الأمريكي إلى مسارعة السوفييت بتقديم عرض لتمويل السد، ليَتحملوا العواقب الوخيمة على المدى البعيد، برغم أنهم سيحققون مكاسب آنية يعقب كشك بقوله "ما الكارثة في موضوع السد؟ ما الكارثة التي يحتمل أن تحدث وترجح المكاسب السياسية التي ستعود عليه وقتها ولعدة سنوات تالية؟».

ثم يقول الأمير «وقد فندنا القول إن الإرهاق الاقتصادي هو المقصود، فلم يبق إلا تفسير واحد، وهو أن الأمريكان قد اكتشفوا عيبًا خطيرًا في السد، وتوقعوا أن يُثير كراهية المصريين في المستقبل مرة أخرى لا نُجزم بشيء فالإشارات لا تزال غير مفهومة.. رحم الله جلال كشك فقد أضنى نفسه بالبحث عن الكارثة الخفية والعواقب الوخيمة المخبوءة في السد العالي في الرسائل والوثائق والمصادر الرسمية والمراجع المعتمدة».

ونحن نقل للدكتور بهاء إن كشك كان يعلم عواقب بناء وتصميم السد بتلك الطريقة، لكن أسلوب كشك الساخر مثلك كان يُطعمه بالأسئلة المستفزة للعقول وليس عن جهل منه بالإجابة.

ومما نرى أن الأمير لم يوفق فيه هو عدم نقضه لجماعة الإخوان المسلمين التي حذرت من مخططات العدو في كثير من مؤلفات أعضائها أبرزهم الدكتور جمال عبد الهادي في سلسلة كُتب «كيف نفكر إستراتيجيا» ثم نفذوا جزءًا كبيرًا من المخطط بوعي أو دون وعي، فلعل الرجل خدع بهم أو له نظر لا نعرفه.

وكذا حديث الأمير عن الدولة العثمانية التي لم تكن خلافة يوما إلا حين اقتراب سقوطها وهم صوفية باطنية يقولون بالاتحاد والحلول، وكان عبد الحميد السلطان، مهووسًا بِعبادة الأضرحة وتنازل عن أرض فلسطين لإمبراطور ألمانيا.

بقي أن أقول إن مَن لم يقرأ لبهاء الأمير قد فاته الكثير من الوعي والفطنة والحصافة، فهو رجل قلما يجود الزمان بمثله، فواجب على طلاب العلم أن يحفظوا كُتبه وكلامه فهو رجل حق في زمان الباطل.
الجريدة الرسمية